العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    مقولة «أهون الشرين» في الانتخابات الأميركية

    السؤال الرئيس، الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة في أميركا هو ما إذا كان الناخب قد ضاق ذرعاً حتى صار مستعداً للتصويت بناء على غضبه فقط، أم أنه لا يزال على استعداد لقبول مقولات مثل «أهون الشرين»، و«أقل الضررين» عند الذهاب لصناديق الاقتراع، فالواضح لمن يتابع انتخابات الرئاسة الأميركية أن غضباً قوياً يعتري الكثير من الأميركيين في اليمين وفي اليسار.

    والواضح بالقدر نفسه أن المؤتمر العام للحزبين الجمهوري والديمقراطي أججا ذلك الغضب، كل على طريقته، لكن ليس واضحاً حتى الآن كيف سيكون موقف الناخب الأميركي في نوفمبر المقبل، فالمؤتمر العام للحزب الجمهوري الأميركي كان صاخباً منذ اللحظة الأولي.

    والمفارقة أن التظاهرات المعارضة لتنصيب ترامب مرشحاً للحزب كانت أقل الأحداث صخباً، فالمؤتمر الذي شهد محاولات فاشلة من داخله لتقويض فرصة ترامب في الترشح شهد أيضاً هجوماً صاخباً على منافسه تيد كروز الذي قبل أن يلقي كلمة في المؤتمر العام، ثم رفض أن يعلن صراحة دعمه لترامب. وبعد أن لاقت كلمة ميلانيا، قرينة ترامب، استحساناً واسعاً اتضح أنها احتوت على فقرات كاملة منقولة حرفياً من خطاب لميشيل أوباما ألقته في المؤتمر العام للحزب الديمقراطي عام 2008، لكن المؤتمر العام للحزب الجمهوري لعب على تأجيج غضب أنصار ترامب الرافضين للتجارة الحرة وللمهاجرين، ولغير البيض.

    والمؤتمر العام للحزب الديمقراطي لم يكن أفضل حالاً على الإطلاق، فعشية انعقاده، انفجرت فضيحة من العيار الثقيل لم يكن أبطالها سوى قيادات اللجنة العامة للحزب، أعلى سلطة فيه، والمفترض فيها أن تكون محايدة إزاء المرشحين المختلفين، الذين يتنافسون على ترشيح الحزب، فقد تبين من تسريب لويكيليكس لرسائل البريد الإلكتروني الخاصة باللجنة أن قياداتها كانت منذ اللحظة الأولى تعمل بالتنسيق الكامل مع حملة هيلاري كلينتون لدعمها للفوز بترشيح الحزب على حساب منافسها الرئيس في الانتخابات التمهيدية، برني ساندرز، بل أكثر من ذلك، بدت تفاصيل القصة تحمل الكثير من ملامح فضيحة ووترجيت الشهيرة، فقد تبين أن اللجنة العامة للحزب الديمقراطي كانت تعمل على تلفيق الاتهامات أو إلقائها جزافاً على برني ساندرز، بالضبط على طريقة ريتشارد نيكسون مع خصومه، ففي واحدة من تلك الرسائل المسربة كان هناك حديث عن الإيحاء لناخبي الولايات المحافظة بأن ساندرز، اليهودي- الأميركي، ملحد ولا يؤمن بأي دين، لاستعداء الناخبين المحافظين عليه.

    وقد اضطرت رئيسة الحزب ديبي شولتز للاستقالة من منصبها فور افتضاح أمر اللجنة العامة للحزب، لكن المفارقة كانت فيمن وقعت عليها الاختيار لتحل محلها مؤقتاً لحين إجراء الانتخابات، أي دونا برازيل، فبرازيل من القيادات المهمة للحزب الديمقراطي، ذات الباع الطويل في العمل الحزبي، ولكنها ظلت دوماً من حلفاء آل كلينتون، بل أكثر من ذلك، فإن كلاً من تابع قناة سي إن إن الدولية منذ بدء الانتخابات الرئاسية لا بد أنه شاهد دونا برازيل أثناء الحملة التمهيدية وهي تدافع دفاعاً مستميتاً عن هيلاري كلينتون وتناهض ساندرز.

    صحيح أن المطلوب بعد المؤتمر العام من الحزب هو فقط دعم مرشحته، إلا أن خطورة ذلك الاختيار، مثله مثل اختيار السناتور تيم كين لمنصب نائب الرئيس، هي أنه لا يعير بالاً على الإطلاق لأنصار برني ساندرز، فالإنجاز الذي حققه ساندرز في الحملة التمهيدية كان أنه استطاع المنافسة على قدم المساواة أطول من المتوقع بكثير رغم أنه، كما اتضح، كان يواجه آلة الحزب الديمقراطي نفسها، وليس مجرد منافسته هيلاري كلينتون، ورغم أنه لم يكن يملك التمويل المذهل، الذي ملكته حملة منافسته. وهو استمر بسبب الحجم الكبير من المتطوعين والأنصار الذين أيدوه بشدة.

    وقد وصل أنصار ساندرز للمؤتمر العام وهم معترضون بشدة على ترشيح كلينتون على خلاف موقف ساندرز نفسه، وازداد غضبهم مع الإعلان عن ترشيح تيم كين لمنصب نائب الرئيس، فتيم كين يمثل يمين الحزب الديمقراطي، مثله مثل كلينتون نفسها التي لا يثق بها مناصرو ساندرز، واتهموها طوال الحملة بتزييف إرادة الناخبين، وقد وصل غضبهم لذروته، حين أثبتت فضيحة اللجنة العامة للحزب أنهم كانوا على حق.

    ورغم أن أغلبية الناخبين الأميركيين لا يثقون بدونالد ترامب مثلما لا يثقون بهيلاري كلينتون، إلا أن كلينتون قد تكون أكثر تضرراً من فقدان تلك الثقة، فانتخابات هذا العام سيحسمها على الأرجح الفريق الأكثر حماساً لمرشحه وليس حتى الفريق الأكثر تأييداً.

    ولأن جمهور ترامب الغاضب شديد الحماسة للتصويت دون أن يعني ذلك بالضرورة تأييد مواقف ترامب، فإنه قد يخرج يوم الاقتراع العام تعبيراً عن الغضب.

    وكلينتون كانت في حاجة لاستثارة حماسة اليسار والشباب، أي مؤيدي ساندرز، فغضبهم لن يدفعهم لتأييد ترامب، ولكن قد يدفعهم لعدم الذهاب لصناديق الاقتراع، بما يعني أنه لا تنفع هذه المرة مقولة «أهون الشرين»!

    طباعة Email