العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    مترجم تاريخي

    خلال تجهيز حلقة من حلقات برنامجي الإذاعي مع فريق عملي، عمدت إلى إعطاء أحدهم كتاباً حتى يطلع عليه، وبعد بضعة أيام أعاد إلي الكتاب وقال لي لم أفهم شيئاً، مع أن الكتاب لا يحمل الكثير من التعقيد في الطرح، إلا أنني تعمدت هذا الفعل لكي أسمع تعليله لعدم فهمه للكتاب والذي كان "إن لغته ومفرداته صعبة"، فقلت له الكتاب مكتوب باللغة العربية فهل نحتاج إلى مترجم ليترجم لنا لغتنا، ولا أقصد الإهانة في جوابي بقدر إثبات أن تاريخنا بكلماته التي تتسم بالبلاغة والفصاحة نتج عنه مشكلة أن المتلقي لم يفهمها وبذلك لن تصل له المعلومة، وبالتالي تشكل حالة رفض قاطع لكتب التاريخ، ومع مرور الأجيال سينمحي هذا التاريخ أو يعاد تحريفه.

    الإنسان عندما يستقبل أي معلومة جديدة خصوصاً تلك التي كتبت في التاريخ ليتخذ منها حلولاً لواقع يعيشه، أو إضافة لمعلوماته ودراسته، تصطدم هذه المعلومات بحدود إدراكه لمفردات ما كتبت عليه، بخلاف اصطدامها بحدود معرفته وأسلوب معيشته وطبيعة شخصيته، وهذا واقع لا يمكن إنكاره، فبما أن المفردات والتراكيب نراها اليوم صعبة الفهم ولغتها معقدة، وأيضاً طبيعة شخصيات أجيالنا تختلف عن تلك الأزمنة التي كتبت فيها هذه الكتب، فهنا لن تتقبل أجيالنا ما كتب في تاريخنا بل ستقف المعلومات عند هذه الحدود ولن تتجاوزها، إنما سنواجه صداماً وصراخاً بين الواقع والتاريخ مستقبلاً.

    الواقع يستدعي أن نقوم بترجمة ما كتب في التاريخ، وبالطبع لا نحتاج لترجمة حرفية ونقل التاريخ كما هو، بل بتحوير مفرداته ومحتواه بما يتناسب مع واقع حياتنا خصوصاً في الجوانب الدينية والفقهية، فزماننا غير زمانهم، وأجيالنا تختلف عن أجيالهم، ولكل زمان متطلبات مختلفة ومتغيرة، والاعتماد على ما كتب في التاريخ لتسيير حياتنا الحالية قد ألغى الكثير من الأدوار في مجتمعاتنا، فلم نعد نرى المجتهدين ولا المفكرين لاعتمادنا على تاريخ كتب من مئات السنين، فهل هذه الحالة لقلة وجود العقول النابغة المفكرة في هذا الزمان؟، أم أن طبيعة مجتمعاتنا قد تغيرت وتعودت على الاتكالية حتى في اكتساب العلوم والمعارف.

    العلوم الاجتماعية والحياتية تتطلب تجديداً من زمن إلى زمن، فليس ما يصلح اليوم سيصلح غداً، وربما يصلح، لكن في واقعنا العربي والإسلامي هناك فارق كبير يقارب 800 سنة على أقل تقدير، بين التاريخ الذي كتبت فيه مصادرنا ومعارفنا، وبين واقع حياتنا ومتطلباتها، وهذا يستدعي أن نعيد صياغة حاضرنا وأن نعيش واقعنا بما يتناسب معه وليس كما كتب في التاريخ، وإن كان فيه ما يصلح فلنعيد ترجمته وصياغته فلا بأس بذلك، لكن أن تتحدد هويتنا الحضارية على التاريخ، فبالمستقبل ماذا سيكتب عن حاضرنا اليوم الذي سيصبح تاريخاً، هل سيكتب أن مجهوداتنا واجتهاداتنا انقطعت وكنا في سبات عميق.

    الكثير من الفتاوى والمواريث التاريخية مازالت تلاحقنا إلى اليوم، مع أنها لا تصلح لهذا الزمان، ولا تخدم البشرية ولا تخدمنا نحن كمجتمع إسلامي، لذا لزم الأمر أن نفتح باب الاجتهاد من جديد ليخرج لنا المجتمع بعلماء أجلاء يعملون على كتابة حاضر يدرس في المستقبل على أنه تاريخ مشرف لنا ولأمتنا، أما أن نبقى نياماً ولا نلتحق بركب التطور والعلوم إلا في الاستخدام دون الصناعة وكتابة بصمة فإنه لقمة العار.

    نحن أمام قضية مفصلية تتطلب اتخاذ قرار جريئ، إما أن نعيد ترجمة تاريخنا بما يتناسب مع حاضرنا لتفهمه أجيالنا، أو نقوم بكتابة حاضر جديد، فالحضارة كما قلنا سابقاً ليست بكاء على الأطلال، إنما اجتهاد وتطوير للمواريث لكي تبقى حية ومفيدة، والفجوة التاريخية في حضارتنا علينا أن نتناساها ونبدأ بداية جديدة نكتب فيها معالم ما تبقى من حضاراتنا باجتهاد علماء ومفكري وكتاب اليوم، لتكون عبرة ونهضة وتاريخاً للمستقبل.

    إحدى قواعدنا في الحياة أن (فاقد الشيء لا يعطيه)، وهذه القاعدة خاطئة في جزئية معينة، فقد نجد أن الأب داخل الأسرة مثلاً يمارس عادة معينة ولتكن مثلاً (التدخين)، فعندما يجد أحد أبنائه يدخن يحاول منعه، ومن الطبيعي أن تصطدم محاولاته بمنطق تفكير هذا الابن ليقول "إذا أنت تدخن فلماذا تمنعني"، ولن يفهم أبداً بأن الأب يمنعه من حرقة قلبه عليه، وإن كان الأب ابتلى من قبل بهذا الفعل، وهذا مشابه لما نحن عليه اليوم، الجميع مقتنع بأننا نفتقد للعلم وبأننا لا نملك شيئاً لنعطيه وأننا في ضياع كبير، مع أن ما نملكه اليوم من تطور وسهولة البحث عن المعلومة لعامل إيجابي علينا أن نستغله، وإن كنا فعلاً نفتقد لحوافز الاجتهاد فلنعمل على إعادة تنشئتها وإيجادها.

    فلا يجب الاعتماد على التاريخ في كل شيء، واقصد بالتاريخ المؤلفات والمؤلفين، فباستطاعتنا اليوم أن نكتب ونؤلف ونبحث ونجتهد، وأن نجعل من حاضرنا تاريخاً مشرفاً لمستقبلنا، وبذرة أولى لحضارة تصنع لأمتنا وديننا، ولا نضع اليد على الخد ونعتبر أن كل ما كتب قديماً مبجل ولا يحق لنا المساس به، فلا يعنيني أبداً أن أثبت صحة ما نقل عبر التاريخ من عدمه، بل ما يعنيني أكثر ماذا سنقدم لحاضرنا قبل أن يصبح صدمة وكارثة تاريخية في المستقبل.

    طباعة Email