العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    عن غزو العراق.. ومآسٍ أخرى

    تفجرت من جديد في بريطانيا، أحزان دفينة وذكريات مؤلمة، تتعلق كلها باشتراك بريطانيا في غزو واحتلال العراق، مع الولايات المتحدة، منذ ثلاثة عشر عاماً.

    حدث هذا بمناسبة نشر تقرير خطير، سمي «تقرير تشيلكوت» نسبة إلى رئيس لجنة شكلتها الحكومة منذ سبعة أعوام، لتقصي الحقائق فيما يتعلق بقرار بريطانيا بدخول هذه الحرب، وما إذا كان اشتراكها في غزو العراق مبرراً أو غير مبرر، فإذا بها تصل إلى نتائج مرعبة تفصح كلها عن المآسي الإنسانية التي يمكن أن تترتب على قرارات سياسية تتخذ لتحقيق أغراض مادية بحتة وشديدة الأنانية.

    كانت الدوافع الحقيقية لهذا الغزو لا علاقة لها بكل ما أعطي لها من تبريرات، كانت هذه الدوافع تشمل الرغبة في السيطرة على مخزون العراق الثري من البترول، وكسب مواطئ أقدام في العراق لشركات أميركية وبريطانية، فهل كان في أي من هذه الدوافع الحقيقية للغزو، ما يمكن أن يبرر المآسي الإنسانية التي ترتبت عليه: آلاف القتلى والجرحى من العراقيين، وثلاثة ملايين عراقي تحولوا إلى لاجئين، ومئات القتلى من الأميركيين والبريطانيين والفرنسيين والألمان، الذين اشتركوا في الغزو، فضلا عن تدمير بعض من أثمن وأعز الآثار التاريخية لبعض من أقدم الحضارات الإنسانية؟ رأت جريدة«الجارديان» البريطانية، من الملائم، منذ أيام قليلة، إسهاماً منها في إحياء ذكرى الشهداء من البريطانيين، أن تخصص صفحتين كبيرتين من صفحاتها لنشر صور الضباط والجنود البريطانيين الذين ماتوا نتيجة غزو العراق، جنباً إلى جنب، مع ذكر اسم ورتبة كل منهم، وراحت الصحيفة تستجوب بعض أقارب هؤلاء الشهداء، فإذا بدموع أمهاتهم وشقيقاتهم تسيل من جديد بمناسبة صدور تقرير تشيلكوت، وإذا بالذكرى الأليمة تتجدد ويزداد ألمها عندما أضيف إليها هذا الاعتراف الجديد بأن حياة هؤلاء راحت دون أن تحقق أي مصلحة للوطن، بل بسبب كذبة كبيرة.

    هناك قصة واحدة لم يذكرها التقرير، ولكني عرفت بها وقت وقوعها في سنة 2002، أي قبل الغزو بشهور قليلة، وربما يعرفها أيضا ولايزال يتذكرها بعض القراء، وهي قصة قد تزيد ما تبعثه من ألم على قصص هؤلاء الشهداء، بسبب الإصرار حتى الآن على إخفاء الحقيقة بشأنها، القصة تذكر بفضيحة درايفوس الشهيرة (DREYFUS) التي وقعت في فرنسا في أواخر القرن التاسع عشر (1894)، إذ صدر حكم ظالم بالسجن مدى الحياة على ضابط فرنسي صغير، من أصل يهودي، بتهمة التجسس لمصلحة الألمان، وكان الدافع إلى الحكم انقاذ ضابط آخر كبير كان هو المرتكب الحقيقي للجريمة، ولم يفضح الأمر إلا مقال بعنوان (إني أتهم)، كتبه الروائي الفرنسي الشهير إميل زولا، فأفرج عن الرجل المظلوم،.

    القصة الآن، والمتعلقة بغزو العراق، هي قصة عالم انجليزي كبير اسمه دافيد كيلي (DAVID KELLY)، فقد حياته في ظروف تتعلق بهذا الغزو، وتشير كثير من الشواهد إلى أن ظلماً كبيراً قد لحقه، وأدى إلى موته، إما انتحاراً أو قتلا، كان الرجل متخصصاً في أمور الأسلحة التي تشمل فيما بينها ما يسمى«أسلحة الدمار الشامل»، ومن ثم كان مستشاراً لوزارة الدفاع البريطانية وعندما ثارت شبهة امتلاك العراق هذه الأسلحة، صدر تقرير رسمي في 2002، في أثناء حكومة توني بلير، يؤكد امتلاك العراق هذه الأسلحة، ولكن إعلامياً شجاعاً في هيئة الإذاعة البريطانية قال في برنامج له بهذه الإذاعة، إن هذا التقرير قد جرت «إعادة صياغته»، أو بالأحرى «تزويره»، من أجل إثبات التهمة على العراق ومن ثم تبرير الغزو الأميركي ـ البريطاني، ثم قيل على لسان هذا الإعلامي البريطاني، إن مصدر هذه المعلومة (أي إعادة الصياغة أو التزوير) هو ذلك العالم البريطاني الكبير (دافيد كيلي)، والذي التزم بدوره الصمت الكامل، وقالت أسرته إنه قضى أيامه الأخيرة في حالة اكتئاب شديد لم يعهدوها فيه من قبل، ربما لأنه لا يستطيع الإفصاح عما في قلبه، إذ إن المطلوب منه أن يقول ما يتعارض مع ما يعرف أنه الحقيقة، ثم عثر عليه ميتاً بسبب قطع في شريان اليد.

    كنت في انجلترا في ذلك الوقت، فتابعت الحدث يوماً بيوم، وأتذكر أن تصريحاً غاضباً جداً صدر من زوجة دافيد كيلي بعد اكتشاف وفاته، ثم ذكر أنه تم استدعاؤها إلى وزارة الدفاع البريطانية، لمقابلة مسؤول كبير، ثم أعقب هذا صمت تام من جانبها ومن جانب الجميع، أما لجنة تقصي الحقائق فقد انتهت إلى أن الحادث كان انتحاراً ونفت شبهة القتل.

    مر على هذا الحادث أربعة عشر عاماً، جرى فيها غزو العراق، استناداً إلى تهمة امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، وراح ضحية هذا الغزو من راح، وجرى في العراق ما نعرفه من تدمير وتخريب وقتل، ومازال يجري، ثم صدر تقرير تشيلكوت منذ أيام بالنفي القاطع لما قدم للغزو من مبررات، ولكن لم يأت في التقرير أي ذكر لما حدث لدافيد كيلي، ربما نحتاج لكي نعرف الحقيقة في أمر وفاته إلى مرور أربعة عشر عاماً أخرى..

    طباعة Email