ما عادت قطاعات واسعة من الاسرائيليين تخفي تشفيها ونشوتها تجاه ما يعتمل في محيطهم الاقليمي من منازعات داخلية وبينية ضروس.. وقد بلغت بعض هذه المنازعات الظاهرة والخفية دركا من الرثاثة والانحطاط، بما أطمع هؤلاء الشامتين في تحول دولتهم من مصدر ازعاج كريه وبؤرة توتر وعداء تاريخي، الى خشبة خلاص لبعض أطراف هذا المحيط.
خذ عندك، مثلا ما أورده موشيه أرينز وزير الدفاع الاسرائيلي الأسبق في صحيفة هآرتس (5/7/2016) من أن «الصراع بين السنة والشيعة وصعود داعش، أثبت بوضوح أن لإسرائيل وبعض الدول العربية أعداء مشتركين يهددون استقرار المنطقة، ورغم أن هذه الدول غير مستعدة لإقامة علاقات رسمية معنا، الا ان وجود عدو مشترك، سيؤدي بلا شك الى تطور علاقات من وراء الكواليس».. وبعد أن يستطرد الرجل الى عودة المودة مع المنظومة الأفريقية والصداقة الاسرائيلية المتنامية مع قوى دولية كبرى كروسيا والصين والهند، ينصح الجميع بأنه «من الأفضل أن يكونوا أصدقاء لإسرائيل».
لا ندري ما ان كان أرينز وصحبه يقومون بحملة لتسريب أخبار عن شراكات حقيقية يجري اعدادها؛ تمهيدا لإعلانها على الملأ، أم انهم يسعون الى بث أفكارهم بقصد التحريض واشاعة الفتن وتسميم الأجواء الإقليمية، لكن تقديرنا أن دس الاسرائيليين لأنوفهم فيما يتفاعل حولهم، لا يحمل أية بشارات حميدة، بل هو عمل ينطوي في ظاهره وباطنه على مزيد من الشرور.
تقديرنا أن احتفاء الاسرائيليين بما يجري من حولهم لا ينفي، ولا ينبغي له أن ينسينا، انهم في دولة استعمارية استيطانية مستزرعة؛ تمارس آخر نماذج الاحتلالات المباشرة على الصعيد العالمي. دولة تدعي قيامها وفقا لشرعية دولية مشكوك في عدالتها، ثم سرعان ما انقلبت عليها وباتت أمثولة في عصيان القوانين والتنظيمات الأممية. دولة عقيدتها أن القوة فوق الحق؛ مسلحة حتى الأسنان؛ اجتهدت للاستحواذ على الأسلحة النووية منذ العام الثاني لنشأتها المشؤومة عام 1948.
دولة قامت في أصلها على أنقاض الشعب الفلسطيني، واقترنت سيرتها الذاتية بارتكاب المذابح الجماعية بحق أبناء هذا الشعب، وتعريض من نجي منهم اما للتشرد واللجوء المزري في أربع جهات الدنيا أو للسيطرة المباشرة أو للاحتلال البغيض في مراحل متتالية.
دولة تسعى حثيثا لتوكيد وقوننة محتواها وهويتها الدينية في عالم ينحو الى عولمة المفهوم المدني للدول، وهو توجه يشيع التطرف الديني اقليميا وعالميا، ولو كان المقام يسمح لأفضنا أيضا حول ما يحمله هذا التوجه من سوءات ورذائل عنصرية بحق خمس سكانها الأصليين من الفلسطينيين العرب.
اللافت أن اسرائيل تعرض خدماتها لمحاربة التعصب الديني والمذهبي، فيما هي ذاتها تحث الخطى نحو الطابع «اليهودي الصرف» شكلا ومضمونا؛ كما أن سلوكياتها وسياساتها الداخلية والخارجية أحد أبرز مبررات نشوء التطرف والارهاب في الرحاب الاقليمية. هي اذا تنهى عن خلق وتأتي مثله وتفعل عكس ما تقول، وهذه لعمرك من كبائر الاثم في شرائع السماء والأرض وعالم العلاقات الدولية!
هناك في اسرائيل من يستمرئ لي المفاهيم عن مواضعها ويحاول امتطاء الزفة العالمية لما يدعي بمحاربة الارهاب. وعليه، يلزم التنويه الى ضرورة عدم خلط الزيت بالماء، والتأكيد بغير ملل على ان ما يدور بين اسرائيل وحلفائها وبين الفلسطينيين ومؤيديهم يتفاعل ببساطة تحت معادلة الاحتلال - المقاومة. وهذا بلا ريب مسار مختلف جذريا عما يجري في ساحات أخرى. وهنا يثور السؤال عن نوع الخبرات التي يمكن انتظارها من دولة استعمارية؛ تقمع شعبا معترفا له بحق تقرير المصير في دولة ذات سيادة!