كما نجح الشباب في إحداث انقلاب فكري وتغير سياسي خاصة في منطقة الشرق الأوسط، فيما يعرف باسم «الربيع العربي»، نجحوا ايضا في تحريك بوصلة الأحداث العالمية وموازين القوى والسياسات الدولية.
والسبب هو أنهم اليوم اللاعب الرئيس الذي يؤثر ويتأثر بتلك الأيديولوجيات المتطرفة التي تستهدف الشباب على وجه الخصوص وتغسل أدمغتهم وتملأها بالتطرف والعنف لتزج بهم في ساحات الإرهاب.
ومن المؤكد أن هذا الطريق ليس هو الطريق الذي نتمناه لشبابنا.
فمنذ أن بدأت جرعات التطرف تحقن في عقول الشباب من مختلف الأطياف خفنا ألا نكون قادرين على إيقاف عملية شحن العقول الغضة بالآراء والأفكار المتطرفة.
كنا خائفين عليهم من طريق لا نعرف نهايته ولكنه يستهدف إزهاق ليس فقط أرواحهم ولكن أرواح الآلاف من حولهم في واحدة من أكبر عمليات الإبادة التي عرفها تاريخنا المعاصر. ففي عملية الإبادة التي تمارسها العصابات الإرهابية يتساوى الضحية مع الجلاد، يتساوى الشاب الذي خرج لينفذ عملية انتحارية مع آلاف الضحايا الذين أوكلت له عملية نحرهم وإبادتهم.
فهو في النهاية ضحية لأيديولوجيا آمن بها ولكنه قد لا يعرف عنها إلا القليل. فهي أيديولوجيا غريبة عن مجتمعنا وثقافتنا وعن فكرنا الوسطي الذي تربينا عليه وربينا أولادنا على التمسك به.
الشباب اليوم أصبحوا هم أول ضحايا تلك التنظيمات المتطرفة التي آمنت بفكر قائم على العنف والإرهاب وجندت آلافاً من الشباب لتنفيذ أجندة شيطانية تهدف إلى زعزعة أمن واستقرار العالم وتجد لذة في القتل وسفك الدماء، لذة لا تتفق مع الآراء التي تصرح بها ليلا ونهارا. إنها أحزاب نجحت في زعزعة أمن العالم مستغلة الشباب الفاقدين بوصلة الطريق والتواقين إلى حياة مختلفة.
كانت البداية تجنيد آلاف من الشباب مستغلة الفقر والبطالة وربما الفراغ الروحي وحاجة الشباب إلى قوة روحانية توجه حياتهم إلى طريق الأمل الذي يبحثون عنه. وتدريجيا استطاعت تلك التنظيمات تجنيد المئات من الشباب في الدول الفقيرة الذين وجدوا في أفكار تلك التنظيمات خطاً مختلفاً عن السائد في مجتمعاتهم وبين أقرانهم.
كانت تلك التنظيمات تنظر إلى الشباب بوصفهم الهدف المثالي الذي تبحث عنه، فالعوز والفقر والبطالة هيأ لها بيئة مثالية ومناسبة للعمل والنمو وتجنيد الاتباع. ولكن عمل تلك التنظيمات امتد ليشمل الشباب عموماً ومن مختلف الأطياف وليس المحرومين فقط.
وسرعان ما استطاعت تلك التنظيمات أن تجد اللغة المناسبة التي تخاطب بها هذه الفئة من الشباب المرفه وغسل أدمغتهم وتشجيعهم على معصية ولاة أمرهم والثورة على أنظمة مجتمعاتهم. وهكذا في نهاية المطاف استطاعت تلك التنظيمات أن تخلق جواً نفسياً واحداً يتساوى فيه الغني مع الفقير، العاطل مع العامل والمتدين مع المتطرف.
والغريب أن تلك التنظيمات في سعيها لكسب الاتباع لم تفرق بين غني وفقير وبين متدين ومتطرف وبين ذكر أو أنثى، فالجميع سواسية وهم في نظرها جميعهم مجندون لخدمة وتنفيذ أيديولوجيا واحدة قائمة على العنف والثورة على القوانين والأنظمة السائدة وتحويل مجتمعاتهم أياً كان شكلها وظروفها إلى ساحة حرب وإبادة.
واليوم عندما نرى ونتابع تلك العمليات الانتحارية والتفجيرات المدبرة لا نملك إلا النظر بمنظور آخر إلى تلك الحرية التي منحناها يوما ما لأبنائنا لاختيار نمط حياتهم وطرائق معيشتهم ورفاقهم وربما قدواتهم.
ونظل نتساءل هل يا ترى قصّرنا في تربيتهم وتوجيههم وإرشادهم إلى الطريق القويم، أم أن ما حصل لهم هو نتاج طبيعي لعقود من الوصاية الأبوية والمتغيرات التقنية وثورة المعلومات وهي جميعا عوامل أثمرت عن رفض الشباب لواقعهم والثورة عليه؟
في واقع الأمر فإن ما يحصل للشباب اليوم هو نتاج لتلك العوامل مجتمعة.
فما يحصل اليوم لشبابنا والشباب حول العالم هو نتاج أمين لعقود من الوصاية الأبوية ومن طرائق التربية المتسلطة ومن الحريات غير المقننة التي منحت للأبناء وايضا نتاج لعقود من العولمة الشرسة التي أبت إلا وأن تفرض ثقافتها العالمية على الثقافات المحلية وأن تسلب منها هويتها.
والنتيجة هي بحث الشباب عن هوية خاصة اياً كان نوعها وشكلها وسلوكها.
فانحراف الشباب واتخاذهم العنف والإرهاب وسيلة للوصول إلى الغايات التي آمنوا بها إنما هي وسيلة لإثبات ذاتهم والثورة على واقعهم. إن هذا ما اقتنعت به تلك التنظيمات ووظفته لتحقيق أهدافها.