بعد مرور ثلاث عشرة سنة على تغيير النظام السياسي في العراق لا تزال العمليات الإرهابية تصنع الأحداث في ساحاته وتنقله إلى صدارة الاهتمام في الأوساط الدولية. فعلى الرغم من التراجع الكبير في قدرات تنظيم داعش بعد هزائمه المتكررة أمام الجيش العراقي إلا أنه لا يزال قادرا على تنفيذ عمليات نوعية في قلب العاصمة، كان تفجير «الكرادة» في الثالث من يوليو الجاري الأكثر دموية على الإطلاق بتاريخ العمليات الإرهابية في العراق إذ بلغ عدد ضحاياه ثلثمائة قتيل، إلا أنه ليس الأكثر خطورة فالتفجير الذي أعقبه لاستهداف ضريح السيد محمد الملقب «سبع الدجيل» الابن الأكبر للإمام العاشر «علي الهادي» لدى الطائفة الشيعية هو الأخطر على الرغم من أن ضحايا استهدافه أقل كثيرا من ضحايا الكرادة، فالمستهدف هو الرمز المذهبي في ظروف الاحتقانات والتوترات الشديدة التي يشهدها الشارع العراقي.
هناك خلل في المقاربات وفي المعالجات لا تداويه ردود الفعل الغاضبة بل يتطلب وقفة تأملية شاملة للتعرف على مكامنه. الأجهزة الأمنية العراقية لا ينقصها العدد ولا تشكو من قلة التخصيصات المالية إلا أن ما ينقصها هو إستراتيجية مواجهة هذا الإرهاب وفق رؤية تستند إلى دراسات علمية ميدانية للبحث عن أسباب هذه الظاهرة؟ ولماذا يجد الإرهابيون في بيئة العراق جاذبية خاصة؟ ولماذا يسترخصون أرواحهم قبل أرواح ضحاياهم في موقف مضاد لغريزة حب الحياة والتعلق بها لدى الإنسان؟
دراسات عديدة أنجزت من قبل مراكز أوروبية متخصصة للتعرف على التنظيمات الإرهابية وحجمها وإستراتيجياتها في كسب العناصر كشفت بأن الجيل الجديد من الإرهابيين الذين انتموا لتنظيم «داعش» في أوروبا تتراوح أعمارهم بين 16 و25 سنة في حين كانت أعمار الذين انتموا لتنظيم «القاعدة» ما بين 30 و45 سنة. وتشير هذه الدراسات إلى أن غالبية هؤلاء من المتعلمين وحاملي الشهادات لكنهم عاطلون عن العمل.
عاملان استطاع تنظيم داعش من خلالهما التوسع جغرافيا وكسب عناصر لصفوفه، أولهما هو الثروات التي وضع يده عليها في الموصل وفي مدن أخرى نهب مصارفها وسيطر على بعض حقول النفط وبدأ بتسويقه وأصبح بذلك أثرى تنظيم إرهابي في العالم.
كما استولى على بعض معسكرات الجيش في العراق وفي سوريا وغنم ما فيها من معدات وسلاح، فأصبح يدفع أموالاً طائلة لعناصره ويمدهم بأفضل أنواع الأسلحة وأكثرها تطورا في الوقت الذي أصبح تنظيم القاعدة الأكثر فقرا بين التنظيمات الإرهابية بثروة لا تتجاوز 30 مليون دولار وفقاً لمجلس العلاقات الخارجية الأميركي.
أما ثانيهما فهي أجواء الإحباط في المجتمعات الغاصة بالشباب العاطل عن العمل والذي ليس له فرص في المستقبل سواء في العالم العربي أو في مناطق أخرى من العالم خاصة في أوروبا الغربية، وهي أجواء تُسترخص فيها الحياة.
جميع التنظيمات الإرهابية في مجتمعاتنا مهما تنوعت أسماؤها تتغذى من أيديولوجية مشتركة يرى معتنقوها بأنهم يخوضون حربا مقدسة مع الغرب الكافر! ولو كان صاحب أطروحة «صراع الحضارات» صموئيل هينتغنتون لا يزال على قيد الحياة لصفق لهؤلاء لأنهم يسعون لتحقيق النبوءة التي أطلقها في تسعينات القرن المنصرم والتي أشار فيها إلى أن «الصراعات ما بعد حقبة الحرب الباردة لن تكون متمحورة حول خلافات بين الدول القومية بل بسبب الاختلاف الثقافي والديني بين الحضارات الكبرى في العالم».
الصورة الآن في طور التغيير فقد بدأ داعش يخسر الموقع تلو الآخر وبدأ عنفوان عملياته يتلاشى مع تراجع قدراته المالية وهروب مقاتليه من ساحات المواجهة خاصة بعد أن استعاد الجيش العراقي قدراته القتالية. ولكن هذا ليس نهاية القصة، فالقضية الأمنية في أي بلد ليست قضية أجهزة أمنية قادرة على التصدي والردع، بل هي أعقد من ذلك لأن لها جوانب سياسية واقتصادية واجتماعية تتضافر لتصنيع بيئة تضمن رضا المواطن وتعزز ثقته بحكومته، وتسد بذلك أية ثغرة يمكن أن تستغل لتعكير هذا الأمن.
الحرب على الإرهاب وضمان النجاح فيها يتطلب غطاء سياسيا وعلاقات إقليمية ودولية حسنة، فأكثر جوانب هذه الحرب فاعلية هو جمع ومشاطرة المعلومات الاستخبارية وهو هدف لا يمكن تحقيقه دون بناء علاقات ثقة وتعاون وتنسيق مع الدول المجاورة. فمن خطل الرأي تصور أن المعركة ضد الإرهاب تنتهي بهزيمة تنظيم داعش في ساحات المعارك، فالمنطقة تزخر بالصراعات القومية والدينية والمذهبية المشحونة بالكراهية وغير القابلة للتهدئة وهناك إصرار من بعض الجهات فيها على الاستمرار في إذكاء جذوة الموروث الخطير من الثقافات الاجتثاثية.
فالاقتصار على إيقاع العقوبات ببعض الأفراد والجماعات، كما يجري الآن، لن تكون سياسة ناجعة لمواجهة الإرهاب على الأمد الطويل ما لم يصاحب ذلك إجراءات أخرى تتناول إصلاح شتى أنواع الخلل، وهي كثيرة جدا، في الممارسات على مستوى أجهزة الدولة وإشاعة قيم الحياة المدنية المعاصرة وهي أفضل أساليب تفريغ نهج وفكر الإرهاب من محتواه.
ولعل الخطوة الأولى لتحقيق ذلك هو تعزيز هيبة الدولة وشن حرب حقيقية على الفساد وقطع دابر التدخلات الإقليمية في الشؤون الداخلية والإسراع بإعمار ما خربته الحروب وإعارة قضية النازحين ما تستحق من رعاية واهتمام وحل جميع الميليشيات وحصر حيازة السلاح بأجهزة الدولة، فبغير ذلك يبقى العراق بيئة جذابة للإرهاب.