من الطرق العربية التقليدية في «تفنيش» أو إنهاء خدمات الموظفين أن تطلب منه الاستقالة طواعية حفظاً لماء وجهه. ونِعْمَ هذا التوجه لأن فيه مروءة العربي لاسيما إذا لم يرتكب الموظف خطأً جسيماً.
ربما لا يعد شائعاً هذا الأسلوب في العالم الغربي. إذ أذكر أنه من أغرب المواقف موظف غربي كنا نريد الاستغناء عن خدماته فطلبت منه الاستقالة فقال لي: لا، أرجو أن تفصلني! فاجأني رده، فقلت له لماذا؟ فقال: حتى آخذ إعانة من الحكومة في بلادي، فأنا أريد الاستمرار في العمل وأنتم لا تريدوننا لأسباب أتفهمها. فهو إذاً متهيئ للاستقالة ولا يهمه كلام الناس.
هذه الحالة ليست شائعة في بلدان عربية عدة، حيث يواجه الموظف مصيره المحتوم أو المجهول، لاسيما إذا كان معيلاً لأسرة. هنا يأتي دور القيم الإدارية في «التلميح» للموظف قبل مدة طويلة بأنه بعد ستة أشهر، مثلاً، سوف نبلغك رسمياً بقرار الاستغناء عن خدماتك إن لم تستقيل أو تحدث نقلة نوعية في أدائك.
وهي بمثابة همسة محب حتى يستعد الموظف بالبحث عن خيارات وظيفية لائقة أو يحسن من أدائه.
ومن الطرق الإنسانية في مراعاة سيكولوجية الموظف الذي نعتزم فصله أو «رفده» كما يقول المصريون، أن ننقله إلى قسم آخر قد يفلح فيه كمحاولة أخيرة قبل «فصله»، أو تقليل الاهتمام به كالتوقف عن إرساله لدورات تدريبية خارجية مهمة، أو عدم دعوته لاجتماعات مهمة، أو التشدد معه في الإجازات أو البونص حتى يفيق من غفلته وتراخيه.
ذلك أن الناس يعترضها ما يعترض سائر البشر من فتور. لذا كانت الصعقة الإدارية مطلوبة لأنها نابعة من حرص على الموظف ومستقبله.
وما يحزن أن يبدأ مقص التوفير المالي بقطع حبل قارب الموظفين المتفانين بفصلهم وإبقاء غثاء العاملين يسرحون ويمرحون بسفينة المؤسسة. ونتناسى أن الموظف الضعيف سيُصبِح مديراً ضعيفاً يستقطب أشباهه. فالطيور على أشكالها تقع. وننسى أيضاً قوله تعالى «فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض».
رأيت بعيني كيف قطع مسؤولون أرزاق زملائهم المخلصين بفصلهم تعسفياً ثم دارت الدائرة عليهم ليطردوا من أعمالهم شر طردة. بعضهم خرج بفضيحة أخلاقية مدوية لأن من حفر حفرة لأخيه وقع فيها.
مراعاة «سيكولوجية التفنيش» (المشتقة من finish) ليست ضعفاً بل هي مقياس على مقدرة القيادي أو المدير على الإتيان بأفكار إبداعية لتنشيط أداء فريق العمل.
فكم من موظف لم يكن بينه وبين الفصل سوى توقيع خطاب فصله، لكنه فاجأ الجميع بأن أدائه انقلب رأساً على عقب بإيجابية وتفانٍ دفع الإدارة للعدول عن قرار الاستغناء عن خدماته. وقد شهدت أكثر من حالة كاد يفصل فيها مسؤولون وبعد تحسنهم استمروا ثم وصلوا لأعلى منصب فأصبحوا يقودون مؤسساتهم بكفاءة واقتدار.
مشكلتنا أننا لا ننتبه أن بعض الموظفين لديه قدرات قيادية فذة أكثر من الفنية. ومن الظلم أن نحاسبه أو نتخلص منه بسبب صغائر الأخطاء الفنية. فالإدارة الحديثة أصبحت قائمة على فرق عمل يكمل كل عضو فيها قصور الآخر. وهذه أحد أسرار الشركات الناجحة.
ولو أن كل شركة أو قارب ألقى ربانه بمجدف متراخٍ في عرض النهر لم يبق في القارب أحد. هذا لا يعني التهاون مع من يتعمد خرق السفينة ليغرقنا جميعاً.