جاءني يقص علي خبرته مع ابنه، الذي أنكر عليه سلوكاً قام به، مطالبا إياه بتوضيح الدوافع التي جعلته يقدم على ذلك، فإذا بالابن يقول له بصوت وجل معاتباً إياه إنه بعيد عنه منذ زمن رغم أنه يعيش معه.
وأنه في هذه السن يحتاج منه إلى الرعاية والعناية، وكان يجب قبل أن ينكر عليه الخطأ أن يحميه منه ويعلمه الصواب، وإنه نسي أن له ابناً في خضم انشغالاته في عمله، والحديث هنا لا يزال على لسان الابن، الذي شعر بعده الأب أنه عق ولده دون قصد، وأنه لم يعد ذلك الطفل الصغير الذي تسعده لعبة جديدة، فاحتضنه وبكى الاثنان، الأب على تقصير دون أن يدري.
والابن على موقف لم يكن يحب أن يعرف به وهو دمث الخلق المتفوق في دراسته، وأنه حين طالبه بالسلوك الرشيد لم يبذل من الجهد ليدله عليه، ظانا أنه بتوفير ما يحتاج إليه من طيب العيش قد أدى ما عليه، ناسيا أنه بذلك يربي نصف إنسان، هذا الذي لا يكتمل تمامه من دون دعم نفسي مصدره الأساس هما الوالدان اللذان إذا غاب أحدهما تحمل الثاني عبئاً مضاعفاً، وإذا غاب كلاهما خلت الساحة، وباتت البيئة مواتية لكافة المؤثرات الأخرى والتي تكون خارج نطاقهما، وهو ما تبدأ معه المعاناة على مستوى الفرد والمجتمع.
ذلك أن الأسرة هي المؤسسة التربوية الأولى القادرة على صيانة قوة ومتانة نسيج المجتمع بما تقوم به من أدوار في حياة أبنائها، وستظل قوة المجتمع من قوة بنيانها وترابط أعضائها، وعلى قدر هذا التماسك والتعاضد يكون التلاحم المجتمعي، لذا فإن بدايات النهضة البشرية والمجتمعية تبدأ من الأسرة.
وإذا كنا في الجامعات عند تصميم برنامج دراسي نضع له أولاً أهدافه كما نتحقق من مخرجاته؛ بمعنى أنه بعد دراسة هذا المضمون يكون الطالب قادراً على الوصول إلى مجموعة من الكفاءات واكتساب مجموعة من المهارات؛ أي إن البدايات أو المدخلات هي التي تحقق النتائج أو النهايات، هذا هو منطق الأشياء، بل هي سنة الله في الكون...
ولا يمكن للزارع أن يقطف ثمرة يانعة يسعد بها دون أن يكون أدى حقها والذي عليه تجاهها من ري ورعاية، الأمر واضح جلي، لذا فإن بدايات التكوين والمراحل الأولى للتنشئة وقيام الأسرة بدورها يحدد طبيعة الفرد الذي سوف يخرج من بوتقتها، وهو على حالتين لا ثالث لهما، إما أن يكون إيجابيا قادرا على نفع مجتمعه، وإما أن يكون عبئاً عليه...
وفي تقديري أن هذا هدر لثروة المجتمع الحقيقية، والمشكلة الأكبر أنه هدر لا تتوقف آثاره عند الفرد لكنه متعدٍّ لغيره، باعتبار أن طفل اليوم هو رجل الغد، كما إنه يتصل بغيره، وهناك من يتأثر بما لديه من فكر وقيم وسلوك، لتتسع الدائرة يوما بعد يوم، من هنا كان عظم الدور الذي تتحمله الأسرة باعتبارها المرحلة الأساس التي يتم البناء عليها، ومن الأهمية بمكان القول إن قيام الأسرة بدورها تجاه الأبناء يكفي كثيراً من المؤسسات الرسمية والأهلية مؤنة إصلاح ما عجزت هي عن القيام به.
إن الصورة التي باتت شاخصة في البيوت، من آباء وأبناء يجلسون بأجسادهم مع بعضهم البعض، انكفأ كل منهم على جهاز لوحي مشدوها إليه يعيش عالما افتراضيا طوال الوقت يستلهم منه الخبر والمعلومة والقيمة والسلوك، هذا العالم الافتراضي الذي توغل في حياة الأبناء قلص من مساحة العالم الحقيقي..
وقد يكون هناك بيت يجمع لكن ليس هناك أسرة بمعناها الحقيقي، فصارت مصادر التربية متعددة أقلها بذلا، وإن شئت الدقة أضعفها تأثيرا هي الأسرة، وهو ما يؤكد أننا يجب أن نحسن إلى أبنائنا قبل أن نطالبهم بالإحسان إلينا كما ينبغي، برهم في صغرهم وشبابهم حتى يكونوا بارين بنا نافعين لأوطانهم، فمن يزرع الحنظل لا يجني العنب.
إننا لابد أن نراجع أنفسنا بين الحين والآخر لنحصي كم مرة جلسنا مع أبنائنا نحدثهم فيما يهتمون هم به دون أن نفرض عليهم اهتماماتنا، كم مرة استمعنا نحن إلى أفكارهم واستخرجنا ما بداخلهم دون أن نحتكر نحن الحديث ونوجههم وكأنه ليس لديهم ما يقولونه أو أننا لا نثق في رجاحة تفكيرهم، على الرغم من أنهم يحتاجون إلى مثل ذلك..
وإذا لم يجدوه في أسرتهم بحثوا عنه خارجها، حتى لو كان عبر الفضاء الافتراضي وما ينتج عنه من مثالب، لنراجع أنفسنا كم مرة شاركناهم ما يقومون به من نشاطات ولو من باب المؤاخاة، وكم مرة اجتمعنا معهم على مائدة طعام بعيدا عن الحديث المستمر عبر وسائل التواصل ومشاغل العمل، عندئذ سندرك كم نحن مقصرون في حق أبنائنا، وأنه من فرط انشغالنا كان لنا دور لكنه غائب.