ما تعرض له المواطن الإماراتي أحمد المنهالي في مدينة «آفون» بولاية «أوهايو» في الولايات المتحدة الأميركية، من اعتداء على يد الشرطة، نتيجة الاشتباه فيه من قبل موظفة فندق، لارتدائه الزي الإماراتي وتحدثه في هاتفه المتحرك باللغة العربية، وما تبع هذا الاعتداء من ردود أفعال، يبعث رسائل بعضها إيجابي وبعضها الآخر سلبي، يجب أن نتأملها ونستخلص منها دروساً عدة، لأنه حادث قد يتكرر بشكل أو بآخر في أماكن أخرى، وإن كنا لا نتمنى ذلك.

من الرسائل الإيجابية؛ الاهتمام الذي تعاملت به السلطات في دولة الإمارات مع هذا الحادث، عندما قامت وزارة الخارجية والتعاون الدولي باستدعاء نائب السفيرة الأميركية لدى الدولة، وطرح أسلوب التعامل التعسفي لشرطة الولاية مع المواطن الإماراتي، واعتقاله وتفتيشه دون وجه حق، والتشهير به من خلال نشر مقطع الفيديو الذي صورته الشرطة أثناء المداهمة، بكل التفاصيل الذي وردت فيه، والإهانات التي وجهت إلى المواطن الإماراتي، والتعامل القاسي معه، رغم أنه لم يُبدِ أي مقاومة، ولم يرفض التعاون مع الشرطة.

كما يتضح هذا الاهتمام من خلال متابعة سفارة الدولة في واشنطن للقضية منذ أن علمت بالحادث، وتواصلها المباشر مع المواطن وأسرته، واتصال السفير بعمدة الولاية، وحثه على الاعتذار له، ومطالبته بمساءلة الأشخاص الذين قاموا بهذا العمل، واتخاذ الإجراءات المناسبة لضمان عدم تكرار مثل هذا الحادث مرة أخرى.

هذا الاهتمام الذي أبدته السلطات المختصة في دولة الإمارات بالحادث، أدى إلى تقديم نائب السفيرة الأميركية لدى الدولة اعتذاره عن الحادث، وتأكيده أن السفارة ستقوم بالتواصل مع الجهات المعنية في ولاية «أوهايو» لاستيضاح ملابسات الحادث، والتشديد على أن الولايات المتحدة تحترم حق الشعوب في ارتداء زيها الوطني، وأن هذه الحادثة تعد استثناء مرفوضاً. كما أدى إلى زيارة عمدة المدينة ورئيس شرطتها للمواطن الإماراتي، وإعرابهما عن أسفهما للحادث، واعتراف رئيس الشرطة بأن الظرف الذي تعرض له المواطن الإماراتي كان مؤسفاً للغاية، وأنه ما كان يجب أن يوضع في مثل ذلك الموقف، وقد بدأت مدينة «آفون» إجراءات التقاضي ضد موظفة استقبال فندق «فيرفيلدز» التي أبلغت الشرطة.

هذا الاهتمام الرسمي الذي أبدته السلطات الإماراتية، إلى جانب المساندة الشعبية التي لقيها المواطن عبر وسائل الاتصال الاجتماعي، يدلان على القيمة التي يمثلها الإنسان الإماراتي لدى قادة ومسؤولي بلده، ولدى شعب دولة الإمارات، وهي قيمة تشعر الإماراتيين بالفخر والاعتزاز لانتمائهم إلى هذا الوطن، خصوصاً في ظل الفوضى التي تنتشر في كل مكان حولنا، والتي يشكل إهدار كرامة الإنسان في وطنه وخارجه أسوأ مظاهرها. لذلك فإننا لا نستغرب التفاف مواطني دولة الإمارات حول قيادتهم، واعتزازهم جميعاً بها وبوطنهم، وتكاتفهم لحماية هذا الوطن من الأخطار المحدقة به، والذود عنه، وصد المتآمرين على وحدة شعبه، الطامعين في خيراته، الذين يقلقهم تماسك هذا الشعب وقوة لحمته، والتفافه حول قيادته.

هذه الرسائل الإيجابية التي يبعث بها الحادث الذي تعرض له مواطن إماراتي في الولايات المتحدة الأميركية، تقابلها رسائل سلبية لا يجب غض النظر عنها؛ أهمها اعتبار اللغة والزي ذريعة للاشتباه في البشر ووصمهم بالإرهاب، وهو ما دعا وزارة الخارجية والتعاون الدولي في دولة الإمارات، إلى حث مواطني الدولة على عدم لبس الزي الرسمي أثناء سفرهم، خصوصاً في الأماكن العامة، وذلك حفاظاً على سلامتهم، وإعادة تذكيرهم بالاطلاع على إرشادات ونصائح السفر المنشورة على الموقع الإلكتروني للوزارة، ومنها ضرورة الالتزام بقانون حظر ارتداء النقاب والبرقع المطبق في بعض الدول الأوروبية، وذلك تجنباً للمساءلة القانونية، أو فرض الغرامات المترتبة على انتهاك هذا القانون، وإن كان الأمر قد تجاوز الآن الغرامات إلى تعريض سلامة المسافرين بشكل عام للخطر، نتيجة الاشتباه في انتماء من يرتدي الزي العربي إلى الجماعات الإرهابية التي أصبحت صورتها مرتبطة بارتداء الملابس العربية، في انتكاسة حضارية هي الأسوأ من بين كل النتائج التي عادت علينا، عرباً ومسلمين، من ظهور هذه الجماعات الإرهابية المسلحة التي تدّعي كذباً أنها تتحدث باسم الإسلام، وترفع راية الإسلام، وتقول إنها تمثل الإسلام الحقيقي، في الوقت الذي تستبيح فيه دماء المسلمين وغير المسلمين، ويفجر المنتمون إليها أنفسهم في كل مكان، إلى درجة أنهم لم يستثنوا من تفجيراتهم مدينة رسول الإسلام، عليه أفضل الصلاة والسلام، ولا مسجده الشريف الذي يؤمه المصلون من كل مكان، وفي شهر رمضان المبارك الذي لم يراعوا حرمته ومكانته عند المسلمين الذين يزعمون أنهم منهم.

حين تعود بنا الذاكرة إلى الوراء قليلاً، قبل أن نعرف «القاعدة» و«داعش» و«أنصار الشريعة» و«الجهاد الإسلامي» و«حزب الله» و«أنصار الله»... وغيرها من التنظيمات والأحزاب والجماعات التي تتخذ مسميات تنسب من خلالها نفسها إلى الإسلام، ونتأمل كيف كان الآخرون ينظرون إلى زينا العربي بإعجاب، ويحرصون على التقاط الصور معنا عندما نرتدي هذا الزي في بلدانهم، ويرتدونه حين يأتون إلى بلداننا، ونقارن بين ذلك الزمن وهذا الزمن الذي أصبحت فيه رؤية شخص يرتدي الزي العربي تثير الرعب في نفس من يقع في طريقه، ندرك حجم المأساة التي أوصلنا إليها هؤلاء المجانين من مؤسسي هذه الجماعات والتنظيمات والأحزاب، وقادتها والمنتمين إليها، ومشايخ الفتنة الذين يفتون لهم بجواز تفجير أنفسهم عندما تأمر الجماعة بذلك، بينما ينعمون هم وأبناؤهم بالثراء والحياة الهانئة الرغيدة، وتلك لعمري مفارقة عجيبة.