يقول رئيس الوزراء البريطاني الشهير بنيامين ديزرايلي:«الأكاذيب ثلاثة أنواع: أكاذيب، وأكاذيب لعينة، وإحصائيات»، والمرجح أنه لم يقصد ذات الإحصائيات فهي من الأهمية بمكان لمعرفة الواقع واستشفاف المستقبل ولكنه يقصد الانتقاء المتعمد للإحصائيات واجتزاء الحقائق من أجل توجيه الرأي العام وهو ما حدث بشدة خلال الأسابيع الماضية التي سبقت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وما تلاه
المؤيدون للبقاء وعلى رأسهم ديفيد كاميرون رئيس الحكومة البريطانية حذّروا من عواقب وخيمة لخروج بريطانيا ووصل الأمر أن دفعت النائبة البرلمانية جو كوكس حياتها في الشارع وأمام المارة رمياً بالرصاص من يميني متعصب مؤيد لخروج بريطانيا والذي صرخ بعد القبض عليه: «الموت للخونة»، بينما ساق مناصروا المعسكر الثاني الكثير من الإحصائيات «المجتزأة» لإبراز سوء حال بلادهم في ظل الاتحاد الأوروبي وألّبوا جماهير غفيرة استطاعت أن تصوّت للخروج بنسبة 52% من 34 مليون ناخب ليُعلن إثرها كاميرون استقالته بدءاً من أكتوبر المقبل!
بريطانيا للأمانة لم تكن عنصراً «كاملاً» في الاتحاد الأوروبي ولم تنضم له إلا عام 1973 أي بعد 16 عاماً من قيامه، وفوق ذلك فقد رفضت اعتماد اليورو كعملة رسمية كبقية الأعضاء ولم توقع على اتفاقية الشنغن التي تسمح بحرية تنقل الأفراد بين الحدود، وبعد سنتين من انضمامها أجرت أول استفتاء ليقرّر 67% من المصوّتين بقاء بريطانيا، وفي فبراير الماضي تم التوصّل لاتفاق «استثنائي» بين المفوضية الأوروبية وكاميرون تضمن مجموعة من التعهدات لحماية مركز لندن كعاصمة للمال والأعمال والحد من الهجرة غير الشرعية لبريطانيا والحق في عدم الدخول في تقارب يُقرّه الاتحاد الأوروبي ولا تُفضّله بريطانيا، لكن رغم كل ذلك اختارت بريطانيا الخروج ما جعل جون كلود يونكر رئيس المفوضية الأوروبية يقول:«لم يكن ذلك طلاقاً ودياً بل لم يكن بالأصل علاقة حب ناجحة»!

للأمانة أيضاً وفيما يخص اليورو أو العملة الموحدة والذي رفضت بريطانيا جعله بديلاً للجنيه الاسترليني كما فعلت بقية دول الاتحاد الأوروبي فقد بّينت الأيام صحة خيارها باعتباره عملة بذات القوة في اقتصادايات شديدة التفاوت، فاليورو قاسي جداً على دولة مثل اليونان ويجعل تكلفة منتجاتها عالية مما يقوِّض قدرتها في انقاذ اقتصادها المنهار، واليورو أيضاً يظلم ألمانيا بجعل منتجاتها ذات قيمة أقل ما يراكم المخزون منها ويقلّل القدرة على التوسع وخلق فرص عمل جديدة للشباب، فعلياً فأوروبا بسبب اشتراطات النخب في بروكسل بالإضافة إلى دور اليورو يبدو أنها فعلياً قد توقفت، فهي لم تعد للخلف بالتأكيد لكنها بالتأكيد أيضاً لم تتقدّم للامام وما تآكل حصتها العالمية أمام الأسواق الصاعدة إلا دليل جلي على ذلك.
الخميس الماضي أكدت أكبر خمس بنوك أميركية: JPMorgan, Goldman Sachs, Bank of America, Morgan Stanley, Standard Charted لوزير المالية البريطاني جورج أوزبورن أنهم «سيحاولون» دعم موقف لندن كعاصمة للمال والأعمال لكن دون وضع ضمانات ملموسة أو تعهدات بعدم نقل آلاف الوظائف إلى إحدى عواصم الاتحاد الأوروبي المتلهفة لوراثة لندن، وذلك ما جعل أحد ممثلي هذه البنوك يقول: «لا يوجد عاقل يفكّر بالاستثمار في بريطانيا حالياً»!
ما يخيف رؤوس الأموال دوماً هي حالة عدم التأكد Uncertainty والتأخر في المفاوضات - والتي لن تبدأ قبل أكتوبر القادم وستستمر لمدة عامين حسب المادة 50 من اتفاقية لشبونة - لن تكون أمراً سهلاً على الاقتصاد البريطاني، فأغلب الاستثمارات ستتردّد حتى تتضح الأمور ومعرفة طبيعة الاتفاقيات القادمة ومدى جاذبيتها لإبقاء مقرات الشركات في العاصمة لندن تحديداً وضمان وجود دخول للسوق الأوروبية الموحدة والتي تستقبل قرابة 44% من صادرات بريطانيا، لكن لن يكون هناك توسع في الأعمال وبالتالي لن يوجد ضخ أموال جديدة ولن تتوفر فرص عمل كبيرة، كل شيء تقريباً سيكون شبه متوقف!
قبل أيام خرجت مجموعة بوسطن للاستشارات الشهيرة BCG لتُرَجِّح انتقال أكثر من 80,000 وظيفة تابعة للقطاع المصرفي من لندن إلى مدن أوروبية تابعة للاتحاد الأوروبي تقف على رأسها باريس والتي تعهدت الحكومة الفرنسية الأربعاء الماضي بأنها ستضع نظام ضرائبي سيكون الأكثر جاذبية على مستوى أوروبا في محاولة لاغراء المصارف لنقل أعمالها من لندن للعاصمة الفرنسية، بينما تحاول فرانكفورت الألمانية ولوكسمبورغ أن تكونا من الورثة المفضّلين للعاصمة البريطانية، لندن ستخسر الكثير لاشك لكن من المهم أن تخرج بأقل الخسائر، وإذا كان فقط 19% ممن تتراوح أعمارهم من 18 إلى 24 سنة يؤيدون الخروج إلا أن من حدّد نتيجة الاستفتاء كانوا «المنسيّون» على أجندات السياسيين من كبار السن والمتقاعدين كما قال ماثيو جوودوين السياسي البريطاني والذين تمت معاملتهم وكأنهم «غير موجودين» طيلة هذه السنين التي شهدت امتلاء جيوب الأثرياء أكثر!
ربما يكون النموذج النرويجي هو الأمثل «نظرياً» لبريطانيا بعد الخروج حيث يضمن شرعية التواجد في السوق الموحدة مع اشتراط بقاء حرية تنقل الأفراد عبر الحدود والمساهمة في الميزانية الأوروبية ورغم أنّ هذا النموذج – إن تم اقناع المفوضية الأوروبية بذلك وهو صعب للغاية-لا يبدو خياراً ملائماً للمصوّتين للخروج لكنّه بالتأكيد هو الأقل ضرراً بالاقتصاد والأكثر قدرة على اقناع أسكتلندا وايرلندا الشمالية بالبقاء وعدم طرح استفتاءات للاستقلال! حالياً المطلوب ثلاثة أمور على وجه السرعة: إدارة للأزمات لمواجهة الضبابية السياسية والاقتصادية، وتوحيد المملكة «الممزقة» بسبب هذا الاستفتاء، والدخول في المفاوضات من منطلق قوة اقتصادية لا ضعف، ولا أتوقع شخصياً أن تُكلَّل المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي بوضعية خاصة للتجارة البريطانية مع السوق الأوروبية حتى لا يتم بعث رسالة خاطئة لبقية الأعضاء للخروج أيضاً إن كانوا سيحصلون على نفس الميزة خاصة مع دفع اليمين المتطرف في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وأسبانيا لذلك، والحقيقة في الختام أنّ الخروج لن يكون جذاباً كما وعد بذلك بوريس جونسون ومايكل غروف ونايجل فاراج ولكنه بالتأكيد لن يكون بذلك السوء الذي تحدث عنه ديفد كاميرون ومعسكر البقاء.