رفع موظف يهودي قضية تعويض على المصرف الفرنسي "بي ان بي باريبا" الذي يعمل بأحد فروعه في نيويورك، بذريعة تضرره مادياً ومعنوياً من تصرف غير لائق صدر عن إدارة المصرف. والقصة أن المصرف عرض على بعض العاملين لديه تسجيل فيديو للفيلم الألماني "الانهيار" the Downfall؛ الذي يصور الأيام الأخيرة في حياة الزعيم النازي أدولف هتلر بمقره الحصين في برلين إبان تقدم القوات السوفييتية نحوها.

المشكلة هنا أن المصرف الفرنسي وضع تعليقات أسفل مشاهد الفيلم، تصور بشكل تهكمي هتلر وكأنه مدير بنك دويتش الألماني المنافس لـ "بي ان بي باريبا" الفرنسي. وهو تركيب فيديوي ادعى الموظف الغاضب أنه تسبب له في أوجاع في الرأس وحالة من الغثيان، بما أثر على أدائه في العمل وحمل المصرف على توجيه إنذار له، وربما كان ذلك مقدمة لخفض راتبه.

إلى هنا، يبدو الأمر وكأننا بصدد خبر طريف حول قضية هزلية، أورده المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات يوم 16 مايو الماضي؛ ضمن تقاريره الأسبوعية عن أنشطة اللوبيات اليهودية في العالم، نقلاً عن مصادر إسرائيلية. لكن الغريب والمدهش بلا جدال أن هذا الموظف اليهودي قد كسب الدعوى بالفعل وحصل من ورائها على أربعين مليون دولار على سبيل التعويض والتسوية من المصرف المدعى عليه.

الذي حدث أن القاضي المنوط به نظر القضية أصدر قراراً تمهيدياً؛ اعتبر بموجبه أن صاحبنا السيد الموظف قدم مسوغات تكفي لإحالة القضية إلى المحلفين، أي أنه قبل الدعوى شكلاً وموضوعاً. وعندئذ فضل المصرف المدعى عليه إغلاق الموضوع نهائياً بمنح الموظف المسكين هذا التعويض الفلكي، كي لا يتعرض لحملة يهودية ترميه بتهمة العداء للسامية، وبالتالي تمرغ سمعته.

لقد آثر المصرف أن يسد باباً قد تأتيه منه رياح هذه التهمة، بمبلغ يكفي لعلاج سكان نيويورك وضواحيها من الصداع والغثيان وما شاكلهما من أمراض عابرة. لكنه فتح بهذا السلوك الاحترازي أبواباً يصعب حصرها لاستغلال هذه السابقة. وقد فطن إلى ذلك المحامي اليهودي أيضاً، عن الموظف المدعي وعلق على موقف القاضي ونتيجة القضية بأن "المجال بات متاحاً على الأقل في الولايات المتحدة، للتقدم بشكاوى في حال وجد أحد في مكان عمله رمزاً ينم عن معاداة السامية".

الواقعة غريبة وقد تتمخض عنها وقائع وأصداء لا تقل غرابة، ومن دروسها أن "بعبع" اللاسامية مازال رغم سخافته ولا منطقيته فاعلاً وفواراً ومثيراً للرعب، وذلك بين ظهراني مؤسسات قوية راسخة وليس فقط في قلوب بعض الأفراد من ذوي المكانات والمناقبية أو الشهرة. بيد أن العبرة التي نرشحها للإطلال على الخلق أجمعين ولضرورة تحري كيفية الترويج لها وتسويقها في جهات الدنيا الأربع، تتعلق بحجم التعويض المادي والمعنوي المطلوب للتكفير عن ظلامة الشعب الفلسطيني بفعل جرائم الصهيونية وكيانها السياسي الاستعماري الاستيطاني إسرائيل.

المصرف الفرنسي أرضى مشاعر موظفه اليهودي المرهفة الرقيقة، بثروة قد تغنيه وسلالته إلى أجل مستقبلي بعيد، في إطار قضية مثيرة للسخرية، يصح إدراجها في أدبيات مسرح العبث. فكيف يتأتى إرضاء شعب يتعرض قوامه الجغرافي والسكاني وتاريخه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي؛ على مدار قرن وزيادة، لعملية ممتدة ومستمرة من الإبادة بالمفهومين الجماعي والفردي؟

وراء كل فلسطيني وفلسطينية حكاية معاناة وبؤس وظلامة تبكي الحجر الأصم وتستنزل اللعنات على من تسببوا فيها. ووفقاً لمنطق القاضي الأميركي الذي عالج قضية الموظف اليهودي الحساس، ربما لا تكفي أموال بنوك العالم لتعويض أصحاب هذه الحكايات. السؤال هنا هو كيف يتأتى لهم ذلك ومتى وأين؟