شكراً بيرني ساندرز

لا أعلم ما الذي سيفعله مرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة الأميركية، بيرني ساندرز، من الآن فصاعداً، ولن أذهب لافتراض إسداء المشورة له في خطواته المقبلة.

فقد حاز بنفسه على حق معرفة ما الخطوة المقبلة التي ستقوم بها حملته، فضلاً عن الحركة التي أطلقها.

ولكن فيما يتعلق بذلك الأمر، فإني على ثقة بأنه قد نجح بالفعل، وبشكل يفوق ما يمكن للمرء تصوره. أتذكر عندما أطلق ساندرز حملته عام 2015، لتصفه وسائل الإعلام بأنه مرشح "هامشي"، ناهيك عن سخرية فناني الكوميديا من شعره ومنظره المتغضن. إذ كيف يمكن لشخص اشتراكي، ديمقراطي، ومستقل سياسياً، وفي السبعين من عمره، تحدي أقوى آلة سياسية في التاريخ الحديث؟

كيف يجرؤ على الاحتجاج ضد كل من المؤسسة، وتيار الإعلام الرئيسي، ومصالح الأثرياء؟ كما قيل إن لديه فرصة بمقدار "صفر" لإحراز أي شيء. ليحقق بعد ذلك الفوز في 22 ولاية.

لقد فاز ساندرز بأصوات الغالبية العظمى من الناخبين دون سن الثلاثين، ممن اشتملت غالبيتهم على النساء الشابات، واللاتينيين، وذلك في كل ولاية تقريبا، حتى في الولايات التي خسر فيها. وبحلول شهر مارس، حقق المزيد من الأصوات في فئة الناخبين دون سن الثلاثين عاما، بشكل يفوق ما حصده كل من هيلاري كلينتون ودونالد ترامب، سويا. فضلاً عن تلقيه معظم الأصوات من الأشخاص الذين هم دون سن الخامسة والأربعين.

لقد ساعد بيرني ساندرز في تشكيل الجيل المقبل. ويتمثل الأمر الأكثر من رائع بقيامه بذلك من دون الاستعانة بلجان العمل السياسي الفائقة، أو بمعزل عن الأموال الهائلة، كـ"وول ستريت" وأصحاب المليارات. لقد أنجز ذلك من خلال إسهامات بسيطة قدمها ملايين الأميركيين العاديين. ليظهر استحالة الاقتراب من ترشيح الحزب الديمقراطي لرئاسة البلاد من دون بيع روح المرء أو المساومة على قناعاته.

تعتبر تلك مسألة كبيرة، وذلك من خلال دحض الادعاءات المتكررة من قبل المرشحين الرئاسيين، التي تشير إلى أنه في حين اعتقادهم بضرورة إصلاح قوانين تمويل الحملات الانتخابية الأميركية، إلا أنهم لا يريدون الترشح دون الاعتماد على أموال الشركات بهدف التنافس بفعالية. وقد أظهر ساندرز ذلك الأمر برسالة قوية، قدمها ممزوجة بالعاطفة والإيمان الراسخ بأن التبرعات الصغيرة ستتدفق.

لقد ألهم بيرني ساندرز الملايين للانخراط في السياسة، ولمحاربة أهم وأكثر المعارك الأساسية التي تتوقف عليها المسائل الأخرى، ألا وهي إنقاذ كل من الاقتصاد الأميركي والديمقراطية من مصالح الأثرياء، وإلى أن يتم إصلاح الديمقراطية، فإنه لا يمكن تحقيق أي أمر مهم لأميركا.

من الصعب عكس اتجاه التغير المناخي إبان هيمنة شركات الطاقة الكبرى على السياسة. كما يصعب تحقيق فرص متساوية في الوقت الذي تدفع الشركات الكبيرة، إلى جانب وول ستريت، من أجل الحصول على امتيازات خاصة. وعندما يحظى المتعاقدون العسكريون بنفوذ كبير، لا يمكن أن يكون لدينا سياسة خارجية معقولة.

ومن المستحيل أن تتمكن للبلاد من التحكم بتكاليف الرعاية الصحية عندما يكون لشركات الأدوية العملاقة، وشركات التأمين الكبيرة، تأثير كبير في واشنطن. وتستحيل زيادة راتب العامل التقليدي.

في الوقت الذي يتم صرف الكثير منه على شركات الصيدلة، ومزودي خدمات الإنترنت، والبنوك، ومصنعي الأغذية، وشركات الطيران، وشركات التأمين الصحي، علماً بأن جميع الشركات السابقة ترفع الأسعار لتمتعها بالقوة السوقية والسياسية التي تمكنها من فعل ذلك.

لقد ساعد المرشح الديمقراطي بيرني ساندرز البلاد في رؤية الرابط الفاسد بين الأموال الهائلة، والنفوذ السياسي، والتلاعب بالاقتصاد الأميركي. فضلاً عن تقديمه مقترحات جسورة للعامة، التي تشتمل على الرعاية الصحية للفرد، والدراسة المجانية في الجامعات الحكومية، وحد أدنى للأجور يبدأ من 15 دولاراً، وفرض ضرائب على المضاربات المالية، وتوسيع الضمان الاجتماعي، وفرض ضرائب على الكربون، وإيقاف الاعتماد على التمويلات المالية الهائلة في السياسة. ومن شأن تلك المقترحات تشكيل جدول الأعمال الآخذ في التقدم بالنسبة إلى السنوات المقبلة.

وعلى غرار كثير من القادة التقدميين في مطلع القرن الماضي، كالمرشح الشعبي وليام جيننغز بريان، ومرشح ولاية ويسكونسن روبرت لا فوليتي، وحيرام جونسون عن ولاية كاليفورنيا، الذين مهدوا الأساس لعهد ثيودور روزفلت التقدمي، مهد ساندرز الأساس لتقدمية جديدة.

إذ تتصل تلك التقدمية الجديدة، اليوم، بالتقدمية القديمة قبل قرن مضى، وذلك عندما تم إثقال أميركا، على نحو مماثل، بأعباء كبيرة، كالفوارق الكبيرة في كل من الدخل، والثروة، والقوة السياسية، وهي أمور هددت اقتصادنا وديمقراطيتنا.

وأخيراً، لقد عملت شجاعة ساندرز في تحدي المؤسسة السياسية على تشجيع الملايين للنهوض والمطالبة بأن تكون أصواتنا مسموعة. وأشعل حركة من شأنها الكفاح مستقبلاً لإدخال المزيد من التقدميين للبيت الأبيض ومجلس الشيوخ. وللتنافس على مستوى البلاد، والإسهام في التنظيم لانتخابات الرئاسة عام 2020.

لن يستسلم الملايين ممن ساندوا بيرني ساندرز للملاحظات الساخرة، بل سيواصلون على المدى الطويل ولن يستسلموا البتة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات