ولأن الكلام هو تعبير سواء جاءت الجملة خبرية أو جاءت جملة إنشائية فإنه بالأصل قول مفيد.

لكن القول المفيد يقال على أنحاء مختلفة، إذ يمكن أن يأتي وصفاً موضوعياً لواقع الحال، أو وصفاً منحازاً، وقد يأتي موقفاً عدوانياً أو موقفاً مؤيداً، وقد يأتي بلاغياً وقد يأتي عادياً، وفي كل الأحوال هناك فروق في صور الكلام مردها إلى ذات الكاتب ومهنته وموهبته ومحبته للغة.

لا أريد أن أقدم درساً في صور الكلام، المكتوب والشفهي، بل ما يلفت النظر وجود نمط من الكتابة بلغة باردة جدا عن عالم كل ما فيه حار ويغلي.

أجل في عالم يغلي أشبه بالبركان ملون بالدم مليء بشواهد قبور الأطفال ودمار البيوت المبعثرة ومهج الأمهات الثكالى نقرأ على صفحات الفيسبوك والجرائد أقوالا تحليلية باردة اللغة، كأن كتبتها يعملون في مخبر فيزيائي. والأكثر مدعاة للتأفف من هذا النمط البارد ذلك القول الذي يصدر عن محللين سياسيين واستراتيجيين من على شاشات التلفزيونات.

وعندي أن صورة الكلام المكتوب والشفهي هي تعبير عن محتوى الشخص وليس عن محتوى الكلام، لأن مضمون الكلام هو الشخص.

فحين يكتب شخص سوري أو عربي عن مجزرة المذبحة الكيماوية التي نفذتها الجماعة الحاكمة في سوريا في الغوطة الشرقية بلغة الحدث الإخباري دون أية لغة تظهر طابع الجريمة والموقف من الجريمة فهذا الشخص إما إنه متعاطف مع من ارتكب الجريمة، أو إنه حيادي الموقف من الجريمة أو خائف من التعبير عن موقفه.

فلنتأمل مثلاً صورة الجمل القولية الباردة حول هذه الجريمة:

1- قضى عدد من الأفراد في الغوطة الشرقية موتاً نتيجة ما يعتقد بأنه بسبب استخدام أسلحة كيماوية.

2- قضى عدد من الأفراد في الغوطة الشرقية نتيجة استخدام الأسلحة الكيماوية، وقد تبادل النظام والمعارضة الاتهامات حول الفاعل.

3- قضى عدد من الأفراد بينهم عدد من الشيوخ والأطفال والنساء نتيجة استخدام النظام الأسلحة الكيمياوية كما تقول المعارضة. وقد أنكر متحدث باسم النظام أن يكون قد قام بذلك.

هذه الجمل الإخبارية الباردة في صورتها تعكس مواقف باردة، ونظرة غير إنسانية لجريمة تهز أقسى وجدان على هذه الأرض.

ماذا لو جاء الكلام على النحو الآتي:

«استيقظت غوطة دمشق الشرقية هذا الصباح على جريمة نكراء ارتكبتها قوات النظام السوري بحق المواطنين الأبرياء العزل، حيث استخدم النظام الأسلحة الكيمياوية المحرمة دولياً في قصف المدنيين، وتشير الأنباء بأن أكثر من ألف شهيد قد قضوا بينهم أكثر من أربعمائة طفل».

في هذا الكلام هناك كلمات دالة مؤثرة «جريمة - شهيد - طفل» وهناك قول صريح بمرتكب الجريمة.

هذا القول يتحدث عن الواقعة وهو قول موضوعي يكشف عن الحقيقة، فصورة اللغة مطابقة مع حقيقة الواقعة، ومعبرة عن موقف وجداني تجاه حدث تم لا سبيل لنكرانه.

أو استمع إلى أحد المحليين يقول لك: «وقد أفرج الحوثيون عن مجموعة من الأسرى بينهم أطفال»، وكأن أسر الأطفال أمر عادي جداً.

هذا الفعل الخطير جداً لا يقال بهذه اللغة الباردة جداً. أطفال يصبحون أسرى بيد فئة تطلق على نفسها اسم «أنصار الله». أي أنصار لله هؤلاء الذين يأسرون أطفالاً مهما كانت ديانتهم أو قوميتهم أو مناطقهم فكيف إذا كانوا أطفالاً يمانيين مسلمين. هكذا يجب أن يقال.

لا شك أن من شأن العقل أن يكشف الحقيقة ويعرضها عارية أمام الناس دون زيف، ولكن من قال إن العقل لا يكشف الحقيقة إلا إذا كان باردا؟

أليست الحقيقة التي يعرضها العقل الحار أجمل بكثير وأنفذ تأثيراً في الوجدان من الحقيقة نفسها التي يعرضها العقل البارد. العقل البارد يعني لغة باردة. العقل الحار يعني لغة حارة. اللغة الحارة انتماء واللغة الباردة انتماء حذر أو هروب باسم الموضوعية. لمن لا يعلم اللغة هي الذات نفسها.

قل لي بأي صورة لغة تكتب، وبأي صورة لغة تقول، أقول لك من أنت.