لا موجب لمشاعر التشفي والنشوة التي يقارب بها بعض العرب مسألة الخروج البريطاني عن دولاب التجربة الاتحادية الأوروبية. لا مبرر لما يهمس به ضعاف الذاكرة وقصار النظر والرؤية، من أن النظام الإقليمي العربي هو أشد قوة أو أكثر نجاحاً أو أفضل حضوراً وفاعلية من النظام الأوروبي، حتى وإن أظهر نصف الأوروبيين جميعاً وليس البريطانيين فقط غضبهم من هذا الأخير.

القياس المنصف بين هذين النظامين القائمين على جانبي المتوسط هو الذي يأخذ ما بينهما من فوارق وتباينات بعين الاعتبار. فالحقيقة أن أحدهما قومي الأصل والفصل؛ يعبر جدلاً عن النوازع الوحدوية لأبناء القومية العربية، بأعمدتها وأسانيدها الموضوعية من لغة وتاريخ وانسياب جغرافي وتجليات ثقافية وعادات وتقاليد وتماثل في الطور الاقتصادي، وان تفرقوا بين دول وكيانات سياسية مختلفة. فيما الآخر يعد نظاماً شبه قاري، عابراً لأكثر من قومية مستقلة قائمة على سوقها بكل المقومات التي تعرف بها الأمم والقوميات.

بإنشائهم الجماعة الاقتصادية؛ التي تطورت إلى الصيغة الاتحادية التي نسمع الآن ونرى، أراد الأوروبيون تجاوز تاريخ مفعم بالذكريات المؤلمة وموشي بالمنازعات والصراعات في طول قارتهم وعرضها. ومن المعلوم أن بعض هذه الذكريات تجاوز السياق القاري الأوروبي إلى أصقاع أخرى بعيدة؛ بما أدى لنشوب حروب أدمت وجه الدنيا بأسرها.

في المثل الأوروبي، أراد الاتحاديون الأوائل التدرج بالعمل الجماعي من الاقتصاد والمال وتكوين الأواصر المصلحية حول الموارد المادية، صعوداً إلى مراتب التعاون القانوني والسياسي والأمني. ورغم إنجازات هذا النموذج؛ التي بسطت السلم والرخاء على المستوى القاري، إلا أنه لم يبلغ كامل مراداته. لكن ما تحقق له يكفي وزيادة للإشادة بالتجربة. لقد حلموا هناك بصناعة كيان وحدوي «فوق قومي»، في إطار جغرافي واسع يحوي قوميات ذات سيادات متجذرة فوارة تناحرت طويلاً؛ ومن أصحابها من ظنوا ذات حين أنهم «جنس الله المختار» ومع أن هذه المهمة بدت بالغة الصعوبة، إلا أنهم خاضوها بثبات ونجاح يحسدون عليه.

أين هذا من النموذج العربي؛ الذي يخص أبناء قومية واحدة؛ ليسوا بحاجة لغير قليل من الإخلاص لتاريخهم وتراثهم القومي الجامع وإيثار المصالح العابرة للوطنيات الضيقة المبتدعة، كي يبلغوا أضعاف النجاح الذي بلغه الأوروبيون؟ الفكرة التي قام عليها النظام العربي وراودت منظريه القوميين، تدور حول وحدة الأمة العربية بعد تحررها واستقلالها على الصعيد السياسي، ثم استغلال مواردها في تحقيق التقدم الاجتماعي والاقتصادي وتبوؤ المكانة اللائقة بإرثها الحضاري المرموق. ومن بين ما استبطنته هذه الفكرة، سهولة تجاوز السيادات الوطنية «المصطنعة» بخطوط رسمها المستعمرون على الرمال، لصالح الكيان العربي القومي الحقيقي الموحد. لكن ما حدث هو استمراء السيادات الوطنية وتراجع هدف الكيان القومي الموحد.

في النموذج الأوروبي، سعي الاتحاديون إلى معالجة التكامل الاقتصادي بمختلف أبعاده ثم تلمسوا سبل التعاون السياسي والأمني بخطوات حذرة. حاولوا صناعة «قومية أوروبية ذات سيادة واحدة» رغماً عن عشرات القوميات والسيادات المطبوعة. وقد تمكنوا من صياغة الأطر التشريعية والتنفيذية والقضائية والاقتصادية والمالية العاملة على هذا الهدف بدأب وإصرار. هذا على حين لم يفلح النظام العربي في صناعة مثل هذه الأطر، وبمرور الوقت تجذرت السيادات الوطنية وأطرها على حساب المرجعية القومية المطبوعة.

لقد بدأت الجامعة العربية، الممثل الشرعي الأول للنظام العربي عام 1945 بسبع سيادات وانتهت اليوم إلى 22 سيادة قوية صارخة. ولا مجال للحديث عن أية أولوية لمؤسسات الجامعة قياساً بالمؤسسات الوطنية. هذا هو الفارق الأكبر بين سيرورة النظامين. وبات معلوماً الآن كيف كانت زيادة منسوب قوة المؤسسات الاتحادية مقارنة بنظائرها القومية، أحد أسباب التذمر البريطاني تجاه التجربة الأوروبية. وأغلب الظن أنه لو حدثت مثل هذه الظاهرة في رحاب النظام العربي، لذهبت ريحه منذ أمد بعيد. ونظن أيضاً أن المروق البريطاني لن يلحق بالنظام الأوروبي إلا بعض الأذى، وأنه إذا كان الأوروبيون يألمون لما أصابهم اليوم من الشريك البريطاني، فإن النظام العربي يألم أكثر بكثير مما أصابه من أصحابه.