«الحياة ما هي إلا مسرح كبير»، «في مسرحية الوجود كلنا ممثلون ومتفرجون» المقولة الأولى للشاعر العظيم وليام شكسبير والثانية لأحد أبرز علماء القرن العشرين نيلز بور، لكل حدث مسرحه وشخوصه وله القصة التي يعرضها.

بعيداً عن السياسة ومسارحها وشخوصها ومسارات أحداثها التي آلت إلى مشاهد دموية في كل مكان شرقاً وغرباً لنذهب إلى مسارح أخرى مثيرة لأبعد الحدود. المسرح الذي ندعو القارئ إليه ليس دار عرض أحد أفلام الرعب التي أخرجها هيتشكوك ولا ساحة محكمة ننتظر المفاجأة المثيرة التي ستحسم القضية.

أنه مسرح من نوع خاص تحبس أحداثه الأنفاس إلى أبعد الحدود لأنه يعرض أحداثاً حقيقية حصلت على مسافات بعيدة جداً عن كوكبنا وعن مجرتنا في أزمان سحيقة في القدم. هذا المسرح أعده مجموعة من العلماء من أكثر من بلد عملوا على مدى يزيد على نصف القرن في إعداده واختياره وتهيئته ليصبح مستعداً لاستقبال الحدث الذي أخبرهم عنه ألبرت آينشتاين قبل قرن من الزمن في النظرية النسبية العامة وهو «موجات الجاذبية».

المسرح هو مرصد لموجات الجاذبية «لايغو»، يقع الأول في مدينة هانفورد في الشمال الغربي للولايات المتحدة ويقع الثاني في ليفنغستون في جنوبها الشرقي مما يجعل الفارق الزمني لوصول موجات الجاذبية التي تسير بسرعة الضوء ما يقرب من عشرة أجزاء من الألف في الثانية، هذا الفارق الزمني يساعد على تعيين موقع الحدث في الكون.

«لايغو» برنامج بحث علمي فيزيائي في الولايات المتحدة يشترك فيه عدد من الجامعات وما يزيد على تسعمائة عالم وباحث في العالم، والحقيقة أن الجهود التي بذلت من قبل العلماء والمهندسين وطلبة الدراسات العليا على المستويين النظري والتجريبي لتصميم المرصد وبنائه تصنف بكل تأكيد ضمن أبرز الإنجازات التي حققها الإنسان في المجال العلمي.

فالمرصد على درجة كبيرة من التعقيد والحساسية للكشف عن موجات الجاذبية بالغة الضعف، حيث إن آينشتاين نفسه تشكك في إمكانية رصدها. صُمم هذا المرصد لاستقبال موجات الجاذبية التي تحدث فرقاً ضئيلاً في طول ذراعيه المتعامدين على بعضهما والبالغ طول كل منهما أربعة كيلومترات بسبب التضاغط الذي تحدثه في إحداها والتخلخل في الأخرى .

وهو ما يعكس تأثيره على مسار أشعة الليزر داخل الذراعين. درجة الحساسية في القياس وصلت إلى مستوى غير مسبوق تقنياً، فالمرصد قادر على رصد تغير في الطول يقرب من جزء واحد من ألف جزء من قطر البروتون، أحد الجسيمات المكونة للنواة الذرية.

بعد انتظار طويل جاء الحدث، المرة الأولى ترصد فيها بشكل مباشر موجات الجاذبية والثقوب السوداء كانت في الرابع عشر من سبتمبر 2015 أعلن عنها في الحادي عشر من فبراير 2016، وقد صدرت عن اصطدام اثنين من الثقوب السوداء تبلغ كتلتاهما حوالي 29 و36 مرة قدر كتلة الشمس، وقد حصل الحدث قبل 1.4 بليون سنة.

أما الرصد الثاني فقد حدث في السادس والعشرين من ديسمبر 2015 وأعلن عنه في الخامس عشر من يونيو الجاري،وكانت موجات الجاذبية أقل شدة من سابقتها لأنها حدثت بين اثنين من الثقوب السوداء تبلغ كتلتاهما حوالي 14.2 و7.5 مرة قدر كتلة الشمس.

الثقوب السوداء هي الأكثر كثافة في الكون وجودها يخلق منحنيات شديدة في «نسيج الفضازمان» الذي تسبح فيه جميع الأجرام والذي افترضه آينشتاين في النظرية النسبية العامة.

وعندما يتحرك اثنان من هذه الثقوب السوداء حول بعضها البعض بسرعة كبيرة تتحول تلك المنحنيات إلى تموجات تتحرك إلى الخارج. المشهد الذي ظهر على مسرح «لايغو» هو دوران هذين الجسمين الهائلي الكتلة حول بعضهما البعض 30 مرة في الثانية الواحدة بمسار حلزوني تتقلص فيه المسافة بينهما.

وبعد زمن قدره عشرون جزءاً من الألف من الثانية الواحدة تسارع دورانهما ليصل إلى 250 مرة في الثانية الواحدة ويصطدمان في النهاية ليتوحدا في ثقب أسود واحد هائل الحجم والكتلة مع انبثاق كمية هائلة من الطاقة.

النجاح الذي تحقق في رصد موجات الجاذبية قد وضع البشرية أمام مدخل جديد لرؤية الكون بطريقة مختلفة كلياً، ففي علم الفلك استخدمت تلسكوبات حساسة لأطوال موجية مختلفة في الطيف الكهربائي المغناطيسي ابتداءً من الضوء المرئي ثم الموجات الراديوية ثم الأشعة فوق البنفسجية وأشعة إكس وأشعة غاما.

وفي كل حالة كانت هناك إطلالة مختلفة على الكون وإضافات معرفية عنه. فمن الآن وصاعداً سنكون بانتظار سماع أحداث نتوقعها وأخرى لا نتوقعها على الإطلاق عن طريق رصد موجات الجاذبية.

فهناك ميزة مهمة لهذه الموجات لا تتوافر في وسائل الرصد الكهرومغناطيسي، فهي قادرة على اختراق كل شيء دون أن تتأثر بالوسط الذي تمر فيه وهو أمر غير مألوف في الرصد التقليدي الذي يعجز، على سبيل المثال، عن رصد بعض المناطق في مجرتنا بسبب الغبار الذي يقف عائقاً أمام مرور الأشعة الكهربائية المغناطيسية.

مرصد «لايغو» لموجات الجاذبية أداة بالغة الأهمية في أكثر من ناحية إذ سيساعد على المزيد من التعمق لفهم «قوة الجاذبية» وعلاقاتها بالقوى الأخرى في الطبيعة، وهو موضوع أساسي في علم الفيزياء، كما سيجعل قياسات المسافات الكونية أكثر دقة هذا إضافة إلى كشف المزيد من أسرار الكون، فهو الوسيلة الوحيدة لدراسة الثقوب السوداء التي لا تسمح لأية إشارة ضوئية بالخروج من مجالها الجاذبي.