كثرت المطالبات في الفترة الماضية بضرورة إظهار صورة الإسلام الحقيقية، الصورة التي يجب أن يكون عليها ديننا الحنيف، من خلال ما نشاهده ونجده في توجهات بعض المسلسلات العربية، وما يعرض خلال رمضان من مواد إعلامية، وما يتبناه أيضاً بعض رجال الدين المعتدلين، ولكن.. قبل هذا كله يجب علينا أن نجيب على سؤال مهم، أين هي صورة الإسلام الصحيحة التي نريد أن نصدرها إلى العالم؟
من المنطق لحل إشكالية الصورة المغلوطة للإسلام أن نبين أسباب تشكلها لنعالجها من جذورها، وأحد أهم أسباب مشكلتنا يتمثل بالإجابة عن هذا التساؤل: ما هي الصورة الصحيحة للإسلام؟ هل هي التي كانت قبل ظهور «داعش» وانتشار الإرهاب؟! فلكي نمضي قدماً علينا أن نحدد الصورة الحقيقية التي نريد أن ننشرها ونعترف أن الإسلام الحقيقي لن يظهر على الوجود إلا إذا اعترفنا وأقررنا واعتذرنا عن الصورة التي رسمناها خلال التاريخ، فالإسلام الحقيقي سلام للقلوب والوجدان، وليس إسلام المنظمات والأحزاب والجماعات.
الإسلام الصحيح الذي أنزله الله تعالى رفعة للبشرية لم يوجد على مر التاريخ إلا في سنن رسولنا صلى الله عليه وسلم، ومن بعد موته بدأ الإسلام تدريجياً يأخذ صوراً مغايرة لما هو عليه، فمن أسباب مشكلتنا أيضاً الفهم الخاطئ لأمور الدين، فديننا الحنيف دين سلام وليس إرهاب وسيف وجزية، وهنا يجب علينا أن نظهر أخلاق رسولنا الكريم، ونتحلى بجوهرها وليس بشكلها، فوجود أشباه المتدينين بيننا هو ما نشر صورة خاطئة عن الإسلام، فهم لم يأخذوا من سُنته إلا شكليات من دون جوهر، وأصبحوا يُكفرون كل من يخالفهم «بالشكل» أولاً ومن ثم في «الفكر» ثانياً، فالتدّين الحقيقي تعايش بين القلوب وتسامح بين النفوس.
وعلينا أيضاً أن نعترف بوجود فجوة فكرية بين رجال الدين، وهذه الفجوة سرعان ما تحولت إلى صراعات بين العامة، فنجد من انحاز لفئة أو جماعة أو طائفة بسبب تناحر ممثليهم على المنابر، والدفاع الشرس عن هؤلاء انعكس على النفوس، فأصبحنا متفرقين، وأي صورة كاملة سننشرها ونحن مختلفون ومتفرقون، ومن الواجب علينا تصحيح المنظومة الفكرية للمسلمين ونشر التعاليم الصحيحة بين الناس، وأن نحاول أن نبرز العوامل المشتركة بدلاً من الصراعات على اختلافات قليلة، فالاختلافات الفكرية والعقائدية بين أي طائفة وأخرى لا تتجاوز ما نسبته 10%، فهل ننسف الـ 90% من العوامل المشتركة من أجل هذه الاختلافات الفقهية.
إن التسامح والوسطية وعدم المغالاة في الدين جوهر ما نادى به ديننا الحنيف، فوجود المغالين في الدين قد ساهموا بشكل كبير في تشكيل الإسلام الخاطئ، فالتشدد أمر خطير ويقود الإنسان إلى التطرف، وهنا يجب أن نعي أن اللعب على عواطف الدين والتشدد والمبالغة يخلق لنا الشواذ والخارجين والمتطرفين والإرهابيين، لذا علينا إظهار مبادئ الوسطية، وحث الناس على إعادة النظر بهذه الحياة، وأن الله تعالى خلقنا لعبادته وأصلاً لخلافة الأرض، أي بمعنى أنه سبحانه أراد لنا الحياة والتمتع في الدنيا بما يقينا عذاب الآخرة ويقربنا إلى الجنان.
الإسلام دين عظيم ونادى بوجوب احترام الأديان، بل عمل على حماية الآمنين منهم، ووجود الإرهاب بشقيه الإجرامي والفكري أحد أبرز أسباب تشكل صورتنا المغلوطة، فعندما تجد من هو مقتنع بأن زوال الغرب وانتشار الفتنة فيما بينهم واقتتالهم هو خلاص المسلمين وغايتهم، فحينها اعلم أننا لا نطبق حرفاً من الإسلام، وعلينا مراجعة أفكارنا الإرهابية ونعيد صياغتها.
فمنذ تسييس الإسلام بما يتماشى مع الأهواء والنزعات ونحن نعاني الأمرين، مرارة الصراعات، ومرارة الجهل بجوهر الإسلام، لذا علينا أن نفصل بين المصالح والأهواء وبين تعاليم الدين الإسلامي، فليس كل من أراد شيئاً في نفسه أطلق لنا فتوى، بل علينا أن نقنن الفتاوى ونجعلها ممنهجة بما يتناسب مع الأزمة الحقيقة التي نواجهها، ومن فنون إدارة الأزمات الخروج بأفضل النتائج للخروج بالمنظومة الإسلامية كما أرادها الله تعالى، وكما عهدناها في سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحالنا يتطلب أن ننزع الإسلام من عباءة الأهواء.
إذا تداركنا حالنا وأوجدنا حلولاً جذرية للأسباب التي ذكرناها فستظهر صورة الإسلام التي ننشدها، أما المطالبات على استحياء فلن تجدي نفعاً، فهذه المرحلة تتطلب الصراحة وتأصيل المشكلات، والرجوع إلى الخلف لضبط الأمور، فالبناء الصحيح قائم على أساس صحيح، فمحاولة طمس الحقائق وإخفائها والابتعاد عنها للتستر عن الماضي لن يحل المشكلة إنما سيؤجلها ويؤزمها.
الإسلام دين تسامح ووسطية، هذا ما نعلم حقيقته في وجداننا، وما كتب في كتبنا وقصصنا المأثورة، لكن ألا نجده في تصرفاتنا وطباعنا فهو الأمر المخزي والمحزن في نفس الوقت، وأنا أرى أن توجهاتنا جميعاً من مفكرين ورجال دين وإعلاميين عليها أن تجتمع ونتحد معاً، لأن منظومة التغيير تحتاج إلى جهد دؤوب.