زهور جديدة تتفتح في حديقة الوطن اليانعة، رعتها عين سهرت من آباء وأمهات سنوات طوالاً حتى اشتد العود واقترب الحصاد، مرحلة مهمة من حياتهم في رحلتهم مع الحياة، تلك حال الكثير من بيوتنا بعد أن اجتاز الأبناء مرحلة الثانوية بكل ما يصاحبها من انتظار وقلق وما يتبعها من بحث وترقب.

ومن غير شك فإن المرحلة الثانوية من المراحل المهمة باعتبارها جسر عبور إلى مرحلة تعليمية أخرى، ولأن الأمر كذلك كانت البشرى التي حملتها القيادة بروح الأبوة إلى الحاصلين على المراكز الأولى من أبنائنا وهو اتصال يحمل دلالات ومعاني تستحق التوقف، ولن يمحى من ذاكرة أبنائنا طوال حياتهم وسيتم تناقله بين الأبناء والأحفاد حين يكون الحافز للنهوض والجد والمثابرة والعمل، إنه اتصال يعني أن الإنجاز الذي حققه الأبناء ليس إنجازاً لأسرهم فحسب بل هو كذلك لوطن أتاح لأبنائه بيئة مواتية مكنتهم من تحقيق التفوق، إنجاز لقيادة استثمرت في الإنسان باعتباره ثروة حقيقية، فكان الاهتمام به والتبشير بنجاحاته أولوية سابقة على غيرها، كما إنه يحملهم مسؤولية أن يكونوا دائما عند المتوقع منهم ليحافظوا على المستوى ذاته من التهنئة والتقدير، كما إنه تأكيد على أن التفوق والتميز هو المعيار الذي على أساسه يكون التقدير.

والحق أن اجتياز المرحلة الثانوية له فرحة مشوبة بشيء من القلق ليس من النجاح في الالتحاق بالتخصص الجامعي المناسب فحسب، ولكن من التعامل مع مرحلة دراسية هي يقينا مختلفة عن سابقتها، وهي المكونة للشخصية الحقيقة لأبنائنا وقدرتهم على النجاح في التعامل مع بيئة جديدة هم فيها أكثر رشدا، وخاصة أن منهم من يستكمل دراسته بعيدا عن بيت العائلة أو خارج حدود الوطن.

ومن الأهمية بمكان القول إن التفوق في الثانوية العامة لا يصحبه بالضرورة تفوق في المرحلة الجامعية، كما أن قليلي الحظ منه في مرحلة ما قبل الجامعة لا يعني أن ذلك يحول بينهم وبين التفوق والتميز بل والابتكار، والذي قال عنه أصحابه أنه جهد يبذل في المرحلة الجامعية، والتي يتطلب اجتيازها بتفوق معرفة طبيعة التعامل معها، باعتبار أن دور الطالب في تحصيل المعلومة وتطويرها والبناء عليها يتعاظم عن ذي قبل، ودور الأستاذ أقرب إلى التوجيه والدفع بالفكرة وقدح شرارتها أكثر من تلقينها والدق المنتظم عليها.

أما عن اختيار التخصص فلابد أن يعلم أبناؤنا أنه ليس هناك تخصص رفيع وآخر وضيع، ولكن نحن الذين نصنع التميز لما نقوم به من عمل، ونحن الذين نجعل أهمية لما ننتسب إليه من تخصصات. فالطبيب غير الكفء في مهنته لا يغني عنه شرف التخرج من كلية الطب، كما إن هناك فرقاً بين من يحمل شهادة في الهندسة وبين المهندس، لذا لابد لمن يقدم على الالتحاق بالجامعة أن يعرف على وجه الدقة ماذا يريد وكيف يود أن يكون، وكذلك القدرات التي يمتلكها لتحقيق ذلك بعيدا عن الضغط الأسري أو الاجتماعي، لأن الاختيار الخاطئ يعتبر هدرا للوقت والجهد، فضلا عما يتركه من آثار سلبية على صاحبه قد تفقده الثقة أحيانا عندما يتنقل بين التخصصات بحثا عن نفسه خاصة.

هناك دراسات تؤكد أن ما يقرب من 40% يغيرون تخصصاتهم في السنة الأولى من الدراسة، وهذا يتطلب أن أقرأ عن التخصص ويكون لدي قدر كاف من المعلومات حوله ومدى اتفاقه مع ميولي، ولا مانع من سؤال من سبقوني إليه أو زيارة للجامعة التي أود الالتحاق بها والاستفسار عنه والمجالات التي يتيحها لخريجيه.

إن سير أبنائنا على الطريق الصحيح للوصول إلى التخصص الجامعي المناسب يجب أن تتكاتف فيه جهود كل من الأسرة والمدرسة والجامعات وكذلك مؤسسات المجتمع للإبانة والتوضيح، ثم يترك القرار للمعني به وهو الطالب.

وعلى الرغم من ذلك فإن المرحلة الجامعية ليست نهاية المطاف، إنها مرحلة استكشاف سواء لما نلتحق به من تخصص ولأنفسنا، كذلك فقد يكون لدينا الكثير من المهارات والقدرة على اكتساب معارف جديدة لم نعتد عليها من قبل غير أنه لم يكن هناك من يساعدنا في ذلك حتى تجيء مرحلة الجامعة.

فكثير من الذين تميزوا في تخصصات كان ارتباطهم بها بعيدا عن رغباتهم، الشاهد أن الإرادة التي نحملها بداخلنا هي التي تصنع الوهج لما نقوم به من عمل، وخاصة أن هناك أمثلة كبيرة من الذين كانوا ملء السمع والبصر فيما قاموا به من إنجازات بشرية كانت بعيدة عن تخصصاتهم، آية ذلك أن «أريك شميت»، المدير التنفيذي لجوجل سابقا، لم يكن متخصصا في الحاسب الآلي لكن هندسة الكهرباء، والأمثلة كثيرة، لذا فإن معرفة الذات هي التي تنير لنا الطريق إلى الجامعة، لذا فإن البداية دائما من عندك.