أنصار التيار الاتحادي الأوروبي يديرون أزمة الاستفتاء البريطاني علي البقاء في الاتحاد من عدمه، بطريقة ربما تعكس حالة من الازدواجية المحسوبة.. فهم من ناحية يحاولون الإيحاء بأن تصويت البريطانيين لصالح الخروج لن يتسبب في أضرار جسيمة لتجربتهم الوحدوية، لكن مداخلاتهم يمكن أن تفهم من ناحية أخرى على أنهم معنيون إلى أبعد الحدود باستمرار بريطانيا في حوزة التجربة.
في نقاشاتهم ومناظراتهم يجادل الاتحاديون، بأدب جم وتعبيرات شديدة التهذيب، بأن البريطانيين هم الخاسرون إن قرروا مغادرة إطار اتحادي إقليمي قاري. «هو الأنجح والأبرز بين أضرابه في عالمنا المعاصر». وهم يراهنون على إيقاظ وعي الجمهور البريطاني بأن الانفصال القومي والعزلة الإقليمية ما عادا يشكلان الوضع الأمثل للإبحار في محيط العلاقات الدولية؛ التي تعولمت أبعادها وأضحت على درجة كبيرة من التعقيد.
كما أنهم يشككون في صلاحية المفهوم التقليدي للسيادة القومية الذي تتعلق به جوارح البريطانيين بشكل زائد، معتبرين أنه وتوابعه بات غير قابل للتطبيق، على النحو الذي كان يثير إشكاليات تبلغ حد إشعال الحروب.
على الجانب الآخر من جبهة الاشتباك الفقهي الأيديولوجي والإجرائي والإعلامي، لا يملك المدعون بالحق القومي البريطاني ما يكفي من المبررات لدحض الاعتقاد بأن بلادهم لا يسعها منفردة مواجهة رياح الأوربة أو العولمة عموماً؛ الشق الاقتصادي منها بخاصة. وليس بعيداً عن توهين مدافعات هؤلاء «الانعزاليين» وأسانيدهم استشهاد الاتحاديين بما حصل مع اليونان، والقول إنه «لولا الإسناد الأوروبي للاقتصاد اليوناني خلال العامين الأخيرين، فلربما وقع اليونانيون ودولتهم برمتها ضحية الإفلاس».
وبالمنطق ذاته، يمكن التنويه بقدرة التيار الاتحادي على إصدار العملة الموحدة، وصمود ما يعرف بمنطقة اليورو، على الرغم من معارضة بريطانيا لهذه الخطوة الكبرى. فأقل ما يمكن أن يطرح في هذا السياق أن عجلة الاتحاد المالية ظلت تدور بقوة في وجود هذه المعارضة، وأن بقية الدواليب الاتحادية لن تكف بدورها عن العمل إن آثر البريطانيون الانسحاب من التجربة بقضها وقضيضها.
والحق أنه تصعب مجاراة التصور القائل بأن بريطانيا المغردة وحدها أوروبياً ستكون أفضل حالاً من جميع النواحي. منطق العصر يقول إن مكانة لندن ونفوذها على الصعيدين الأوروبي والعالمي، اقتصادياً وأمنياً وسياسياً... إلخ، لابد وأن يتأثرا سلبا غداة الخروج عن الصف الاتحادي.
على أن الاتحاديين الأوروبيين، رغم سخطهم البالغ من سلوك هذا الشريك المخالف، لا يحاولون جرح كبرياء الجمهور البريطاني المقبل على الاستفتاء يوم 23 من يونيو الجاري. هم فقط يبذلون جهداً ملحوظاً في تبصير هذا الجمهور بالتبعات والخسائر التي ستلحق به جراء الانسحاب. ويقرنون هذه المحاولة بإبداء الأسى والأسف تجاه الخسائر التي ستنال من القارة العجوز أيضاً، فبريطانيا «تستحوذ على واحد من أقوى الاقتصادات الأوروبية، وتعد لندن أكبر مركز مالي في القارة، وهي تؤدي دوراً ريادياً في الشؤون الأمنية والخارجية، ولا شك أن أوروبا ستكون أقوى إذا ما بقيت ضمن عالم بروكسل».
لا يمكن أن يعثر المرء على لغة أكثر رقياً وحساسية من هذه المعالجة في مخاطبة الشركاء البريطانيين الحائرين. هي لغة تؤدي جدلاً غرضين في وقت واحد. الأول هو احتمال التأثير في خيارات المستفتين لتفضيل البقاء في الاتحاد، وإبلاغ الانفصاليين بأن الاتحاد لن ينهار بخروج بريطانيا. والثاني هو إشعار البريطانيين بأهمية دورهم القاري وإرضاء غرورهم القومي بالقول إن أوروبا لا تستغني عن هذا الدور، وصولاً إلى بث الاعتقاد بأن انسحابهم قد يفضي إلى بداية انفراط المسبحة وتصدع التجربة الاتحادية التي أخرجت القارة من زمن القلق والتنافس المرير. والحروب أيضاً. وهذه مسؤولية ثقيلة ليس من السهل على أي شعب أوروبي تحمل تبعاتها أمام التاريخ.