سياسة الفوز بأي ثمن

قال لي والدي حينما كنت صبياً، وقد كنت قد خسرت، تقريباً، في كل حدث رياضي شاركت فيه:«لا يتمثل الأمر المهم فيما إذا كنت رابحاً أو خاسراً، وإنما كيفية أدائك للعبة».

ويذكر معظم الآباء ذلك لأبنائهم، إذ كان ذلك جزءاً من العقيدة الأميركية. ولكنني أشك في أن فريد ترامب قد مرر النصيحة ذاتها لابنه دونالد، الذي بدا أنه قد تعلم العكس تماماً، وهو أن الأمر المهم لا يكمن في طريقتك في اللعب، بل فيما إذا كنت رابحاً أو خاسراً.

إذا كانت هناك فكرة واحدة تلخص دونالد ترامب، وشخصيته، ومزاجه، ووظيفته، واستراتيجية عمله، وسياسته، ونظرته للعالم، فإنها تتمثل بالفوز بأي ثمن. وذلك هو فن الصفقة.

تأتي أسوأ إهانة يمكن أن يوجهها ترامب لأحدهم بأن ينعته بـ »الخاسر«. بينما »أنا فائز«، فهي الجملة الوحيدة التي يمكن أن يذكرها عن نفسه، ويعمد لترديدها مراراً وتكراراً. ولو لم يغير أسلافه اسم العائلة من »درامبف« لـ »ترامب«، فإنه كان سيتعين على دونالد تغييرها، لأن التفوق على الآخرين، هو المسعى الأساسي لحياته. لذلك فإن ممارسة اللعبة بشكل جيد أو مُشرف، أمر ليس له علاقة بذلك.

لم يتسبب نهج الحياة ذاك بالكثير من الأذى حينما كان دونالد ترامب يعمل في مجال العقارات. ولكن بما أنه الآن مرشح جمهوري محتمل لنيل الرئاسة فإن وجهة نظره تلك خطيرة، بشكل قاطع.

تتعلق سلطة الحكم بالمسؤولية، في حين تتعلق الديمقراطية بالقانون. ويساهم الدستور في تأسيس قواعد اللعبة، بينما يعمل عقد اجتماعي ضمني على ربطنا جميعاً.

لذلك حينما يقول دونالد ترامب، بصفته المرشح الجمهوري المحتمل للرئاسة، إن قاضياً اتحادياً، يدرس قضية موجهة ضده، يعد شخصاً »مخزياً« و»حاقداً« لا يجدر به النظر في القضية، لأن أبواه مكسيكيان، فإنه يعمد لأكثر من مجرد إهانة شخص يعمل في القضاء، بل يهاجم نظامنا القضائي.

عندما ينشر ترامب نظريات مؤامرة، لا أساس لها من الصحة، مثل أن التطعيمات الصحية تسبب مرض التوحد، أو أنه قد جرى اغتيال عدالة المحكمة العليا، فإنه يعمد لأكثر من مجرد نشر المخاوف، هو يؤسس لعدم الثقة بنزاهة نظام الحكم.

وعندما يهدد ترامب ناقديه قائلاً إنه »سيخفف« من حدة القيود على الأحكام القانونية الاتحادية الخاصة بالقذف والتشهير، بالنسبة إلى مقاضاة المنظمات الإخبارية، وإطلاق جهات تنظيمية اتحادية بالنسبة إلى معارضيه، هو بذلك لا يتنمر فقط، وإنما يهدد ديمقراطيتنا.

وحينما يذكي ترامب التعصب، بمنعه الناس من أصحاب عقيدة بعينها من دخول البلاد، أو عندما يدعي، ومن دون وجود أي أدلة، أن »الآلاف والآلاف« من المسلمين الأميركيين بولاية نيو جيرسي، يحتفلون بانهيار برجي التجارة في الحادي عشر من سبتمبر من عام 2001، فإنه بذلك لا يتفوه بالأكاذيب وحسب، بل يهدد العقد الاجتماعي الذي يجمعنا سوية.

في حال لم يتم الحكم، على نحو صحيح، وبكل احترام، فإنه الضعف سيعتري كل النظام الذي نعتمد عليه. قد يحرز المرشح أو الموظف الحكومي بعض الانتصارات على المدى القصير، ولكن على حساب جميع اللاعبين المستقبليين.

يعتبر دونالد ترامب متطرفاً، إلا أن ترشحه لمنصب الرئيس يعتبر تتويجاً منطقياً لسنوات من سياسة الفوز بأي ثمن.

أغلق جمهوريو البيت الأبيض عام 2011 الحكومة، مجدداً، بسبب نزاع حول رفع سقف الديون الاتحادية، وهو الأمر الذي كان من الممكن أنه قد تسبب بتقصير الحكومة، وتهديد جدارة أميركا الائتمانية.

لقد واصل نيوت غينغريتش مساره المدمر. ففي الحملة الرئاسية لعام 2012، دافع عن أن المسؤولين الحكوميون غير ملزمين بمتابعة قرارات المحاكم الاتحادية. لذلك يعتبر هجوم دونالد ترامب على قاض اتحادي مقارنة بسيطة بالنسبة إلى ذلك.

إن الفوز من خلال إضعاف نظام حكومتنا يعد أمراً شائناً. لذلك لماذا يعتبر الناخبون الجمهوريون مستعدين لجعل ترامب رئيساً لأميركا؟

ربما لأن كثيراً منهم كانوا يخسرون أرضيتهم الاقتصادية لمدة طويلة، بحيث أرادوا أن يكون الفائز في صفهم، حتى لو ضحى ذلك الأخير بالديمقراطية على امتداد الطريق.

إن الناخبين الجمهوريين مخدوعون للغاية. ويتمثل الأمل الوحيد لإيجاد تغيير إيجابي في تعزيز الديمقراطية، لا إضعافها. بيد أن عربة دونالد ترامب تنحدر نحو الاستبداد.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات