عقد وزراء الدفاع الإيراني والروسي والسوري اجتماعاً في طهران في التاسع من يونيو الجاري، أهداف الاجتماع حسب ما أعلنته وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية هي مكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط دون التطرق إلى العراق أو سوريا. إلا أن الأهداف الحقيقية لهذا الاجتماع لا تتوقف عند ذلك..

فبعد نجاح النظام السوري وحلفائه في إيصال مفاوضات جنيف إلى حالة الشلل التام يجد نفسه محرجاً غير قادر على فرض حلوله العسكرية في ساحات المعارك دون زيادة حجم ما يتلقاه من دعم عسكري من حلفائه. فعلى الرغم مما أحدثه التدخل العسكري الروسي منذ سبتمبر 2015 من تغيير في معادلات التوازن العسكري لصالح النظام السوري .

إلا أن المعارضة لا تزال قادرة على توجيه ضربات قوية للنظام وحلفائه، فالخسائر التي تكبدتها قوات الحرس الثوري الإيراني في معركة خان طومان في ريف حلب أخيراً تكشف عن حقيقة أن الهجمات الجوية المكثفة التي شنها الطيران الروسي لم تضعف كثيراً من قدراتها الضاربة.

أما على المحور السياسي فلم تتنازل المعارضة السورية عن خيار إقصاء الرئيس الأسد رغم الضغوط الشديدة المسلطة عليها، كذلك لم تتراجع الدول الإقليمية الرئيسية الداعمة لمطالب المعارضة السورية، تركيا والسعودية، عن مواقفها.

من تجارب الماضي غير البعيد تعقب لقاءات وزراء الدفاع هذه سواء أكانت سرية أم علنية معارك كبرى، فإيران تمارس ضغوطاً على روسيا لإرسال المزيد من القوات لسحق المعارضة ومحاصرة الدور العربي التركي وتحييده.

هناك استراتيجيات مختلفة لهذه الدول الثلاث في الحرب على الإرهاب في المنطقة، وهناك فوارق مهمة في مقاربة مفهوم الإرهاب في كل من العراق وسوريا، فالإرهاب في العراق يعني تنظيم داعش، أما في سوريا فيعني لدى النظام ولدى إيران وإلى حد ما لدى روسيا هو المعارضة السورية التي تسعى للإطاحة بنظام الرئيس الأسد.

الحرب على الإرهاب أصبحت صرعة في منطقة الشرق الأوسط بعد أن ترك بصماته في مدن عدة في أوروبا وأميركا وأصبحت هذه الحرب غطاءً يمكن تحت شرعيتها الدولية تمرير أو تبرير ممارسات كثيرة لا تقبل في ظروف أخرى.

فأقصى طموح للنظام السوري هو سحق المعارضة والقضاء عليها أما أهداف إيران فتتجاوز إسناد نظام الرئيس الأسد والإبقاء عليه إلى استخدام هذا الغطاء الدولي، الحرب على الإرهاب، لتحقيق هدف إستراتيجي لها في المنطقة العربية وهو إعادة صياغة الواقع الديموغرافي على الأرض لصالح مشروعها »القومي« المؤطر طائفياً كما يحصل الآن في سوريا والعراق.

أما روسيا فلها أجندة أخرى، فرغم تلاقي بعضها مرحلياً مع ما تراه دمشق وطهران إلا أن لها مصالح ذات بعد إستراتيجي عالمي تتعلق بعلاقاتها مع الولايات المتحدة ومصالحها مع دول الشرق الأوسط الأخرى التي لها مشتركات مهمة مع روسيا تتعلق بإستراتيجيات الطاقة، النفط والغاز، قد لا تجد روسيا في المستقبل بديلاً عن التنسيق معها إنتاجاً وتسعيراً وتسويقاً، وهي على أية حال مصالح تسعى موسكو إلى تطويرها.

منذ التدخل الروسي العسكري في سوريا في سبتمبر 2015 أصبح دور إيران وتوابعها من الميليشيات اللبنانية والعراقية والأفغانية على المستويين السياسي والعسكري ثانوي الأهمية، فقد خطفت روسيا الدور القيادي منها وبدأت توظفه سياسياً على المستوى الدولي كما شهدنا ذلك في جنيف.

ورغم أن إيران قد استفادت من الموقف الروسي كغطاء لسياساتها التوسعية في المنطقة إلا أن علاقاتها مع روسيا تمر ببعض المتاعب فهي تتوجس من الموقف الروسي في أكثر من صعيد.

فالتنسيق بين الولايات المتحدة وروسيا في العمليات العسكرية في الرقة ضد تنظيم داعش يقلق كلا من سوريا وإيران حول النوايا الروسية إزاء مصير النظام السوري.

فروسيا لا تُطلع بالضرورة حلفاءها في سوريا على تفاصيل هذا التنسيق وإلام سيؤول إليه في مرحلة ما بعد داعش كما أن اللقاءات الحميمية التي تظهرها وسائل الإعلام بين وزيري الخارجية الروسية والأميركية هي الأخرى تثير التساؤلات حول التفاهمات التي ربما تكون قد أنضجت بينهما حول مستقبل الملف السوري.

من جانب آخر يشغل تطور العلاقات بين روسيا وإسرائيل الذي عكسته الزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي لموسكو وهي الزيارة الرابعة خلال عام واحد والتي حظيت باهتمام إعلامي كبير للتفاهمات التي توصل إليها الطرفان في توسيع نطاق التعاون وتوثيق العلاقات الاقتصادية والتجارية والثقافية.

والتي تصدر ملف التعاون الأمني بين موسكو وتل أبيب جدول المباحثات. إذ لا شك أن الرئيس الروسي قد أصغى بعناية إلى ما أعرب عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي من قلق على أمن إسرائيل بسبب الوجود الإيراني الكثيف وميليشيات حزب الله في سوريا.

والحقيقة أن اهتمام روسيا بتطوير علاقاتها مع إسرائيل يتجاوز قناعتها بأهمية الدور الذي تلعبه تل أبيب في حاضر سياسات المنطقة ومستقبلها وما يفرضه الوجود الروسي الكثيف في سوريا من متطلبات لتعاون وتنسيق أمني يومي مع إسرائيل، يتجاوز ذلك إلى رغبة روسيا كسب ود اللوبي اليهودي القوي (إيباك) في الولايات المتحدة الذي يلعب دوراً لا يمكن التغاضي عن أهميته في رسم السياسات الأميركية من خلال نفوذه في الكونغرس الأميركي بمجلسيه.