لم يعد الإعلام كما هو معروف أو مشتهر عنه، أنه مجرد جهاز أو ناقل للحدث، بل بات أداة فتاكة، تُوجه، وتُعلِن، ثم تقضي، وليس هذا بالأمر الجديد أو المستحدث، بل إن من أساسيات الإعلام، التأثير في الآخرين، وما أعنيه هنا، أن الإعلام لم يعد كما كان سابقاً، ففي حقبة ماضية، قُيّد بأُطرٍ حكومية مُعينة، تحاول أن تضبط حدوده ونطاقاته، قاصدة بعمد، مع سبق الإصرار والترصد، خلق مجتمع لا يتجاوز حدود دولته التي رسمتها الجغرافيا، وكذلك حدود العقول التي ترسمها قيادته وحكومته.
إلا أنه، وقبل عقدين من الزمان، تغيّرت هذه النظرية، عندما ظهرت بعض القنوات الخاصة، والتي غنّى كلٌ منها على ليلاه، فنجدُ من ابتغت الربح السريع لحسابها الخاص عبر بث برامج إباحية، أو شبه إباحية، ومنها من أرادت اللعب على العواطف والهواجس، من خلال برامج التدّين المزيف، وعالم الجن والأرواح، وتفسير المنامات، ومنها من استقدمت عالماً سياسياً، لعب دوراً في تهييج الشعوب والقبائل على بعضها بعضاً، لأهداف لا يعلمها سوى الله عز وجل.
وقد كان ما كان من تغير للتاريخ فجأة، بعد استقرار دام لفترة من الزمان، وربما لم تكن هذه التغيرات مستغربة لمن يتابع طور التاريخ وتطوره، إلا أن الغريب في المسألة، أن آلة الحرب والانقلاب التي استخدمت هذه المرة، هو الإعلام، والإعلام فقط دون غيره، حيث استخدم الإعلام أدوات بشرية ناطقة بلسانه، سرعان ما تحترق، ليظهر البديل عنها كـ «سوبر مان»، الذي يستطيع أن يؤدي دوراً بطولياً شاملاً، يقضي فيه على الروح الشريرة، وينشر وجهاً آخر للسلام، فتصدقه الناس، وتصفق له، وتؤيده.
هذا المنهج «الكهنوتي الإعلامي»، نسبه الكثيرون إلى فبركة الصهاينة، وأطرف ما في المسألة، أننا على الرغم من زعمنا ذلك، أو لربما حقيقته كذلك، إلا أننا أول من يؤيده ويناصره وينشره، ومن عجائب الأمر، أننا عندما ننسب الفتن الإعلامية إلى الصهيونية، فإننا كمن يعلم أن هذا الأكل محرم ويأكله، أو أن هذا الدواء كثرته مضرة ويتعاطاه، وكمن يريد أن ينتحر أو يموت بسرعة، مخالفاً أحكام شرعه ومنهجه، بغية دخول جهنم عامداً متعمداً، والعياذ بالله.
كل ذلك تطلب منا أن نتعاضد ونتآزر في مواجهة موجة العته الإعلامي، الداعية للتنابذ والتناحر والاختلاف، والتي عرفت كيف تلعب على الوتر الصحيح في نوابضنا ومعتقداتنا التي توارثناها ودافعنا عنها، فديننا وعقيدتنا وملتنا ومذهبنا، وحتى أسماؤنا، توارثناها، ثم نأتي وندعي قناعتنا بها، وأنه واجب علينا الدفاع عن هذه الفكرة الجبارة، التي بذرت وزرعت في خلجات أنفسنا، وتربت معنا، حتى صار ديدننا الدفاع عنها بقناعة الإرث، لا الإيمان والاعتقاد.
وقد تجاهلنا قول الرسول صلى الله عليه وسلم، عندما قال: «يولد الإنسان على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه»، ومن حينها، وكل واحد منا يناحر الآخر بعقيدته واعتقاده، فهذا سني وذاك شيعي، وهذا سلفي وآخر صوفي، وهذا أشعري وذاك معتزلي، فيا أمة الإسلام، أفيقوا من سبات أعمى الأبصار، وأغلق القلوب، فقد صارت وظيفة الباحث والدارس في شؤون علوم الدين، أن يناهض فكر غيره، وينصر مذهبه على حساب كل شيء، متناسياً أن الجميع قد استقى من مشرب واحد، هو الكتاب والسنة النبوية، والمنهج الرباني السمح، الذي خلق الناس لعبادة الله سبحانه، وأصبح الواحد منا يحكم على غيره في دينه وعقيدته، وما إذا كان من أهل الجنة أو النار.
لقد جاء إرساء مفهوم التسامح، الذي أطلقته حكومتنا الرشيدة، كوسيلة من وسائل العلاج، وجعلت من ضمن خطتها، العمل على نشر هذه الثقافة، وفق القواعد التي رسمتها عبر وسائل الإعلام المتعاونة، وإنني أعتقد جازماً، بِضنِّ الإعلام عموماً، والمحلي خصوصاً، على منح البرامج الثقافية مساحة من الوقت، فقواعد لعبة الإعلام مرسومة من قبل، فقد بُنيت على ما يطلبه المشاهدون، ليقينهم بأن القنوات التنافسية كثيرة، وأن المشاهد سوف يُغيِّر القناة ليبحث عن غيرها، ولذلك، كنت، وما زلت، أفكر في طرق بديلة يمكن من خلالها أن ننشر فيها الفكر التسامحي المعتدل، أو أن نجند هذا الفكر في أطر ما يطلبه المشاهدون، فبدل المسلسلات المتناقضة المنفرة المستفزة لمشاعر الحقد والغل، والتي تدس السم في العسل، نجعل الدواء في قلب العسل، فيشربه المتلقي ويتقبله، أما وإنها كانت مجرد جرعات علاجية، فإن ما أضمنه من الآن، هو عدم رغبة المريض بتلقي العلاج، فعلى الرغم من علمه اليقيني بنجاعته، وأنه السبيل الوحيد لعلاجه، إلا أنه يفضل الموت في سبيل ما يحب ويهوى ويعشق، وهذا ديدن الإنسان، فكما يُقال «القط يحب خناقه».