إن القراءة لا تعني زاداً ثقافياً يغذي الروح وينمي العقل فحسب، بل هي الطريق إلى بناء حياة ينعم بها الفرد وإلى الرفاه الاجتماعي، ولما سأل البعض الزعيم الهندي نهرو، لماذا تهتم بتنمية ثقافة الشعب الهندي ونحن فقراء نحتاج إلى إنفاق اقتصادي أكبر منه ثقافي؟ فكان أن قال نحن فقراء للدرجة التي تجعل من تنمية ثقافة الشعب الهندي خياراً حتمياً.

إن أمة تقرأ تعني أمة ذات وعي، ولا يمكن لأمة أن تنهض أو تحافظ على مكتسباتها دون وعي؛ الذي يعني اصطلاحاً الإدراك والفهم، وهو عكس التخبط والعشوائية وعدم الوصول إلى حقيقة دور الفرد في مجتمعة.

لذا كان إطلاق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لمبادرة «أمة تقرأ» خلال شهر رمضان المبارك، والتي أوضح سموه أن هدفها توفير 5 ملايين كتاب للطلبة المحتاجين في مخيمات اللاجئين وحول العالم الإسلامي، وتستهدف كذلك الأطفال والطلاب اللاجئين بمليوني كتاب، وإنشاء 2000 مكتبة حول العالم الإسلامي ودعم البرامج التعليمية للمؤسسات الإنسانية، يأتي ذلك في إطار المبادرات السنوية التي تتنسم ببركة شهر رمضان الكريم ليكون بدايتها، والتي تحمل الطبيعة العالمية متخطية الحدود الوطنية والإقليمية، وهو ما جعل من الإمارات عاصمة للعطاء الإنساني سواء كان مادياً عبر مبادرات الكساء والغذاء والحفاظ على البدن، إلى تغذية العقول وإنعاش الروح عبر القراءة والتثقيف ليكتمل بناء الفرد جسداً وروحاً.

وفي تقديري أن أمة تقرأ تسعى إلى أن تكون مبادرة البناء بيد الفرد ذاته دون أن ينتظر دائماً أن يكون الحل من خارجه، فالقراءة تعني الفكر وإعمال العقل وتنشيط الذهن، وهو ما يعني اتقاد الفكرة، وقدح الشرارة وهي «السنارة» التي ذكرها المثل الصيني حين قال «لا تعطني سمكة ولكن أعطني سنارة وعلمني كيف أصطاد». والإمارات التي كانت ومازالت دوماً على الموعد في إغاثة الملهوف ومد يد العون لكل محتاج، وهو نهج دأبت عليه عبر عقود، تقوم اليوم بالدور ذاته لتغذية الروح عبر الفكر والعلم والتحصيل وإرساء ثقافة تتم بشكل كبير عبر التدريب وتوفير أدواتها ووسائلها وهي القراءة.

وإذا كانت الحكمة الشائعة تقول «إن العقل السليم في الجسم السليم» إلا أن الحقيقة الحياتية تؤكد «أن الجسد السليم لا يمكن أن تكتب له الحياة من دون عقل سليم» وإلا عاش الفرد بعيداً عن إدراك دوره الحقيقي في الحياة من تنمية وإعمار وصنع الخير له ولمن حوله.

إن مبادرة «أمة تقرأ» صيحة تنبيه لإيقاظ العقول، مفادها أن العلم هو الطريق للبناء، وأن المعرفة هي الأساس لبناء اقتصاد قوي، كما أنها إشارة هادية إلى الطريق الذي يجب أن نسلكه باعتبار أنه الطريق الوحيد إن لم يكن الأوحد للتغيير، وأن القيمة الحقيقية للشعوب هي الشعوب ذاتها وما تحمله من فكر وليس ما تمتلكه من ثروات مادية لا يمكن الانتفاع بها دون فكر وعلم وعقل راشد لاستخدامها بطريقة مثلى ولغايات نبيلة.

وهي الرسالة التي حملتها دائماً قيادتنا الرشيدة منذ قيام اتحادنا حين جعلت من الاستثمار في الإنسان الأساس وبناء بيئة معرفية قوية أولوية قصوى، وكأني بالقيادة الرشيدة تنقل تجربة البناء الفكري الذي أسس لبناء قوي متحد من داخل الإمارات التي باتت أوجه التميز هي العنوان الأكبر لما يتم على أرضها تقوم اليوم بنقل هذه الرسالة إلى الأجيال القادمة في منطقتنا والعالم عبر تلك الحملة السامية، وهل هناك أسمى من تغذية العقل وترقية الفكر وتهذيب السلوك والإشباع النفسي للفرد.

وإذا كانت القيادة الرشيدة أعلنت أن عام 2016 هو عام القراءة في الإمارات، فإنها أبت إلا أن يتسع نور المعرفة ليشمل أبناء أمتنا والعالم من خلال توفير أدواتها وهو الكتاب، وهي رسالة تسامح ونبل حضاري تنطلق من الإمارات، ولا شك أن من يذوق حلاوة المعرفة لا يمكن له أن يزهد فيها بعد ذلك، فمن ذاق عرف ومن عرف سيبحث دائماً عما يغذي روحه وينير عقله ليكون لدينا جيل وأجيال يجعلون من الكتاب صديقاً لهم ومن صفحاته حياة تضاف إلى حياتهم، أكدها الأديب العقاد حين قال: «أنا أحب القراءة لأن حياة واحدة لا تكفيني».

إن بناء جيل مبدع يتطلب توفير بيئة مواتية تشجع على الإبداع، وعقول قادرة على الإنتاج المعرفي، والقراءة هي أولى خطواتها، فمهارة القراء هي الأساس لتنمية وترقية باقي المهارات، فالقراءة والكتابة صنوان.

ولا شك أن هذا الإقبال الكبير من كل مؤسسات المجتمع وأفراده على نيل شرف المشاركة في هذه المبادرة يدرك اليقين بقيمة القراءة في حياتنا، وأن أمة اقرأ لابد لها أن تقرأ.