استرعت انتباهي قبل أيام، صورة شاهدتها على حساب إحدى القنوات الفضائية الإخبارية العربية، تظهر سيدة سورية تخلع نقابها ابتهاجاً بتحرير قريتها من يد داعش، ليس لأنني مع ارتداء النقاب أو ضده، فهذه مسألة فقهية، تصدى لها أصحاب الاختصاص، وللأخوات المنتقبات منا كل الاحترام والتقدير، طالما كان هذا اختيارهن، بعيداً عن التطرف البغيض، ولكن لأن الأسلوب الذي تستخدمه الجماعات الدينية المتطرفة، مثل داعش وغيرها، في فرض قوانينها على البشر بالقوة، تؤكد أن هذه الجماعات، قد تستطيع تغيير مظاهر الحياة والبشر في الأماكن التي تسيطر عليها بالقوة، وتستطيع أن تفرض على ساكنيها بالقوة أيضاً، ما يلبسون ويأكلون ويشربون، ومتى ينامون ويستيقظون، لكنها لا تستطيع أن تغير دواخل هؤلاء البشر، وما هم مقتنعون به، لذلك، ربما يدفعهم الخوف إلى الإذعان لما تفرضه عليهم هذه الجماعات، لكنه إذعان مؤقت، سرعان ما يتحول إلى تمرد عند أول فرصة تحين لهم للانعتاق من سيطرة هذه الجماعات، والتحرر من قبضتها. كما استفزتني التعليقات التي قرأتها من قبل المتابعين لحساب هذه القناة، وهي تعليقات تعبر عن الانقسام الذي تعيشه الأمة الإسلامية، ويظهر فيها التباين بين التأييد والرفض، وكيل الاتهامات للقناة بالكذب، وعدم الحيادية، وأوصاف مثل السخافة والدس والتحريض، واتهامها بأنها قناة ماسونية موجهة لتدمير كل ما يحث على التدين، رغم أنها من القنوات ذات الخط المعتدل.
وهي تعليقات لم تخرج عن غالب ما نراه ونقرأه على المواقع الإلكترونية وحسابات وسائل التواصل الاجتماعي، مما أصبح مألوفاً بعد كل هذا الكم الهائل من الغث الذي نراه كل يوم عبر هذه الوسائل التي غدت منصة مفتوحة لكل الآراء والأفكار، من مختلف المنابع والمشارب والمصادر.
اللافت في الصورة التي أتحدث عنها، أن السيدة التي خلعت النقاب، ليست متبرجة، كما قد يتبادر إلى بعض الأذهان، إذ ظلت محتفظة بحجابها الشرعي، ولم تكشف شعرها، وقد عبر عن ذلك أحد الذين علقوا على الصورة، عندما قال إن السيدة قد عادت إلى حياتها السابقة قبل دخول داعش عليها، وهو ما لم يلتفت إليه بقية المعلقين الذين تركز خلافهم على مشروعية النقاب من عدمها، والدعاء على القناة التي نشرت الصورة، الأمر الذي يجعلنا نعود إلى بداية السطر، لنؤكد على أهمية الوعي وتطوير الخطاب الديني، ونشر الإسلام الوسطي البعيد عن المغالاة والتطرف، وعلى الدور الذي يجب أن تضطلع به المؤسسات الدينية ذات الاتجاه المعتدل في العالم الإسلامي، وعلى رأسها الأزهر الشريف، الذي أطلق شيخه الدكتور أحمد الطيب، الأسبوع الماضي، استراتيجية جديدة لتطوير هذا الخطاب، تعتمد على مخاطبة الجماهير مباشرة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ومن خلال وسائل الإعلام المختلفة، واللقاءات المكثفة في الحدائق والمقاهي ومراكز الشباب، بهدف توعية الشباب بمخاطر الفكر المتطرف، ووضع حلول لمشكلاتهم، وتفنيد الشبهات المثارة في أذهانهم، مع إتاحة الفرصة للدعاة الشباب للمشاركة في تطوير الخطاب الديني، ومنحهم الثقة في مواجهة خطاب التطرف والإرهاب، والاستعانة بأكثر من 500 قيادة شابة بمختلف قطاعات الأزهر، واستمرار تطوير وتنقيح المناهج الأزهرية، لتواكب تطورات العصر، وتعكس القيم الحقيقية السمحة للإسلام.
هذه الدعوات والمشاريع لتجديد الخطاب الديني، يستقبلها البعض بتفاؤل كبير، ويستقبلها آخرون بيأس، مصدره تجارب سابقة لم يحدث بعدها تغيير ملموس على أرض الواقع، بدليل ما نشاهده وما نقرأ عنه مما يجري حولنا من أحداث ذات طابع طائفي بحت، ينم عن تعصب البعض ومواقفهم العدائية تجاه أصحاب الديانات الأخرى، مثلما حدث لسيدة مسيحية مسنة في صعيد مصر، مؤخراً، في ما عرف بحادثة «سيدة المنيا»، الأمر الذي يجعلنا نبحث عمن يقف وراء تغذية هذه الصراعات، ودفعها إلى مزيد من التصعيد والتفاقم لخدمة مصالح أطراف لا تريد لنا الخير، وتسعى إلى تحقيق أهدافها، عبر شق صفوفنا، مستغلة حالة الفوضى التي تعم عالمنا العربي، والصراع الذي يحدث على السلطة في بعض الدول العربية، بنشر الفتن بين أبناء الشعب الواحد، وتقسيمهم إلى فرق متناحرة، تستدعي ثارات قديمة لم يعد لها وجود في عصرنا هذا، ولا يجب أن يكون لها أثر، إذا أردنا أن يكون لنا موطئ قدم بين الشعوب والأمم.
من حقنا جميعاً أن نبتهج بخلع النقاب ولكن ليس نقاب الوجه وانما نقاب العقل الذي يحجب عنا الوعي، ويمنعنا من رؤية الحقيقة وسماع صوت الحق، ويجعلنا ننساق وراء دعاوى الموتورين من دعاة تغييب العقل والمنطق، كيلا ندع صورة سيدة تخلع عن وجهها نقاباً فرضه عليها متطرفون طارئون، ابتهاجاً بتحرير قريتها منهم، تشعل بيننا معركة، المستفيد الوحيد منها، هم هؤلاء المتطرفون الذين بدؤوا يخسرون الأرض، لكنهم ما زالوا يكسبون مساحة على مواقع التواصل الاجتماعي، لأنهم يجيدون اللعب على عواطف البسطاء من الناس، فينساقون لدعواتهم، ويتحمسون لهم، في ظل غياب الوعي الذي نحتاجه أكثر من أي شيء آخر في زمننا هذا.
عندما يصبح التخلص من مظهر فرضته جماعة إرهابية متطرفة على سكان قرية صغيرة، لا حول لهم ولا قوة، في بلد عربي يعاني من الاقتتال والتمزق، مدعاة لبهجة سيدة بسيطة، تريد أن تعيش حياتها العادية، دون ضغوط من أناس غرباء موتورين، فهذا يعني أن داخلنا بحاجة إلى عمليات جراحية كبرى، كي يشفى من علل كثيرة، بعضها مستوطن وبعضها الآخر طارئ، وهذه لعمري حال لا تدعو إلى أي نوع من الفرح والنشوة والابتهاج.