للتاريخ أبواب كثيرة، لكن الدخول منها إلى صدر التاريخ، ليست سهلة. ثمة من يدخل بعقله وعلمه، ومن يدخل بلسانه أو بأصابعه أو بسيفه أو بريشته، أو بوحشيته، وهؤلاء كثر. نيرون ونابليون وجنكيز خان وشارون وغيرهم. لكن بيتهوفن دخل بأنامله، وسلفادور دالي بريشته، وشكسبير بحرفه. كما دخل بيليه بقدمه. أما محمد علي كلاي، فقد دخل بقبضته، كأبرز بطل للملاكمة في التاريخ.
الأسبوع الماضي، توفي محمد علي كلاي عن 74 عاماً في فينيكس في ولاية أريزونا، بعدما خسر معركته الطويلة والأخيرة ضد داء باركنسون، دام اثنين وثلاثين عاماً. وأقيمت له جنازة في مسقط رأسه لويفيل في ولاية كنتاكي. وكان محمد علي أدخل مستشفى فينيكس، حيث يقيم مع زوجته الرابعة لوني، لمعالجته من مشاكل تنفسية.
شارك كاسيوس كلاي، اسمه قبل أن يدخل الإسلام، في دورة الألعاب الأولمبية في روما عام 1960، وأصبح بطل العالم، حسب تصنيف الجمعية العالمية للملاكمة في 1964، بفوزه على سوني ليستون بالضربة القاضية في الجولة السابعة. وقد غير اسمه من كاسيوس كلاي إلى محمد علي، بعد اعتناقه الإسلام في 1964. وبذلك دخل التاريخ مرتين، مرة بفوزه ببطولة العالم، ومرة بدخوله الإسلام، وهو يتربع على أقوى منصة في العالم.
وبعد أن أصبح بطل العالم بلا منازع في الوزن الثقيل، صدم الرجل »الأعظم«، كما كان يصف نفسه، الولايات المتحدة في 1967، برفضه أداء الخدمة العسكرية والتوجه للقتال في حرب فيتنام، حيث سجن وجرد من الألقاب التي حصل عليها، ومنع من ممارسة الملاكمة لثلاث سنوات ونصف السنة، قبل أن يصبح مجدداً بطل العالم في 1974..
حسب تصنيف الجمعية العالمية والمجلس العالمي، بفوزه بالضربة القاضية في الجولة الثامنة على جورج فورمان، في ما أطلق عليه تسمية »معركة في الأدغال« في كينشاسا بزائير، التي أصبحت اليوم جمهورية الكونغو الديموقراطية. لكنه خسر لقبه بالنقاط أمام ليون سبينكس في 15 شباط/فبراير 1978، ثم استعاده في 15 أيلول/سبتمبر من السنة نفسها.
واستعاد محمد علي اللقب للمرة الثالثة، بفوزه على لاري هولمز في لاس فيغاس بالضربة القاضية في الجولة العاشرة في 2 تشرين الأول/أكتوبر 1980. أنهي محمد علي كلاي حياته المهنية، بهزيمة بالنقاط أمام تريفور بيربيك في 11 كانون الأول/ديسمبر 1981 في مركز الملكة إليزابيث الرياضي في ناساو. وفي 2005، منح وسام الحرية الرئاسي، وهو أرفع وسام مدني في الولايات المتحدة.
أصبح ظهوره علناً بعد مرضه، نادراً تدريجياً. وكان آخر تجمع عام شارك فيه في فينيكس، عشاء لجمع تبرعات للأبحاث لمكافحة داء باركنسون.
صحيح أن قوة كلاي ووصوله إلى قمة القوة في العالم، حدث قبل دخوله الإسلام، وربما جاءت نتيجة شعوره العنصري في بلد مارس التمييز ضد الأميركيين من أصول أفريقية، قبل أن يعود إلى رشده وينتخب أحد هؤلاء السود رئيساً للولايات المتحدة (باراك أوباما)، بعد عذاب وكفاح سلمي طويل قاده مارتن لوثر كينغ في ستينيات العام الماضي، عندما أطلق صيحته المشهورة »لدي حلم«. لكن إيمانه بالإسلام ودخوله الدين الحنيف، زاد قوة الجسد قوة إيمان وعقيدة.
سئل كلاي في مقابلة تلفزيونية: ألا تخشى أن يغتالك أحد، فأنت تمشي في الشارع وتتحدث مع الناس؟، قال: في كتابنا المقدس القرآن، يقول الله ما معناه، لا تدري نفس كيف أتت، ولا تدري كيف تموت. فإن حان أجلي، فسأموت، سواء كان برصاصة أو وأنا نائم على السرير. وحين سأله المذيع: هل لديك حارس شخصي؟
عدّ كلاي على أصابعه حتى رقم ثمانية، وضحك قائلاً: لدي حارس شخصي واحد. يرى بدون عينين، يسمع بدون أذنين، يتذكر كل شيء بدون ذاكرة، إذا أراد لشيء أن يكون، يقول له كن فيكون. لا ينطق بلسان، عليم بما في الصدور، إنه الله هو حارسي.
رحم الله محمد علي كلاي، الرجل الذي دخل التاريخ بقبضته الحديدية، وبقلبه العامر بالإيمان.