ليس من الحكمة أن يعود المرء إلى تعريف وعرض معاييره، وأشكاله، وأصله اللغوي في كل مرة يخف فيها للكتابة عن النقد، ولهذا سنضرب صفحاً عن هذه الطريقة المدرسية وندخل موضوعنا مباشرة.

ولأن النقد صار مبحثاً من أبحاث المعرفة الإنسانية يُدرس في أقسام الأدب والتاريخ والفلسفة فإن على الناقد أن يتوافر على هذه المعرفة للدخول إلى عالم النصوص قبل أن يشرع في القراءة النقدية والكشف عن ممكنات النص.

غير أن الذات الناقدة ذات تكونت ثقافياً في مجتمع محدد تاريخياً، وفي حقل إبستيمي سائد ولا يمكن لأحد أن يتحرر من هذا التكون إلا بجهد ذاتي كبير. ولهذا فإن الحديث عن نقد موضوعي حديث تعوزه الدقة ويعوزه الصواب.

كيف لذات أن تكون موضوعية في تناولها للنص وهي محملة بإرث ثقافي، وأضيف بإرث أخلاقي وبحقل إبستيمي يكون عقليتها بعامة وعقليتها الناقدة بخاصة.

دعوني إذا أن أعلن، بناء على ذلك، لا موضوعية في النقد، أي نقد، حتى لو توافرت عند الناقد العدة المنهجية الصارمة.

فكيف سيكون الأمر مع ناقد عربي تكون في ثقافة نقد الشخص وليس نقد النص، وثقافة الانحياز والتقويم؟

أجل: مازال النقد في ديارنا قائماً في حقل الاستحسان والاستياء وتمييز الصواب من الخطأ ولكن في ثقافة نقد الشخص وليس النص، والعواطف من حيث الحب والكره.

فالشخص إن حاز على درجة التقديس صار النقد مديحاً للنص وللشخص، وإن تعرض له ناقد شجاع بنقد نصه قامت الدنيا عليه ولم تقعد.

فثقافة الانحياز للشخص تصل حد الولاء، والولاء ثقافة كما نعلم. وثقافة الكره تبدي المساوئ، وهكذا نحصل على علاقة غريبة ليست من النقد في شيء، علاقة بين ناقد محمل بثقافة نقد الشخص، ومنقود عرضة للتقويم. وهذا ينسحب على العلاقة بالنصوص كلها من النص التاريخي إلى النص الأدبي مروراً بالنص الفلسفي.

فالعلاقة التي يقيمها النقاد التاريخيين العرب، وهم قليل، لا ينظرون إلى معقولية الوقائع التي حدثت أو إلى لا معقوليتها، بل إن الأفكار المسبقة عن شخوص الحدث التاريخي، أي الحقل الإبستيمي الذي تكونوا فيه، هي التي تحكم نقدهم التاريخي، وهذا أمر لا ينجب نقداً تاريخياً على الإطلاق. إذ كيف يقوم نقد تاريخي انطلاقا من الانحياز للشخص؟

وقس على ذلك في نقد الشعر، وهو أصعب أنواع النقد الأدبي، ولهذا تجد نقاد الشعر في عالم العرب نادرين.

وليس يقوم نقد الشعر إلا إذا فصلنا بين الشاعر وشعره، بل ونسينا الشاعر والموقف منه، أما نقد الشعر تأسيساً على الموقف من الشاعر، فهذا لا ينجب إلا مناكفة أو تقريعاً، وليس في هذا ولا ذاك نقد للشعر. وقد يصل الأمر إلى حد أن ناقداً حصيفاً لا يجرؤ بأن يعبر عن موقفه النقدي تجاه نص شاعر بات نقد عيوب نص ولو وحيدا له ضرب من الجريمة.

أما إذا تحدثنا عن النقد الشائع، نقد العوام في الصحافة، فهنا تبرز للعيان ثقافة نقد الشخص بأعلى صورها بوصفها لغواً عن الشخص وليس عن النص أبداً. تظهر ثقافة النميمة واللغو. وَمِمَّا زاد الطين بِلة ما تعج به مواقع التواصل الاجتماعي من نقد للشخص منفلت من عقاله.

لا شك بأن هناك علاقة بين حياة الشخص ونصه، ولكن هذا موضوع آخر لا علاقة له بما كتبنا، بل هو من مذاهب النقد.