اشتهرت المجتمعات الخليجية عموماً والمجتمع الإماراتي خصوصاً بـ«تسبيل المياه الباردة»، وذلك لما امتازت به هذه الدول من حرارة الجو وشح المياه الباردة النظيفة، فكان كلما توفي أحد الأقرباء أسرعوا بوضع الأواني الحافظة والمبردة للماء تقرباً لله سبحانه لعلها تكون صدقة جارية له، فلذلك نجدها انتشرت في الأسواق والمساجد وبالقرب من المنازل، وكانوا يعهدونها لخادم السبيل حتى ينظفها ويزيدها ماء إن نقُصت، وهناك أكثر من "سبيل" مازال شاهداً على هذا الخُلق الكريم، ومع تطور الزمن ووصول المياه إلى المنازل من خلال الأنابيب وظهور التكنولوجيا الحديثة بإنتاج البرادات فقد انتشرت برادات السبيل بشكل أكبر وأعم، إلا أنه مع هذا التوسع بأعدادها فإن الاهتمام بها قد قلَّ، وذلك بسبب تدفق الماء إلى البرادة بشكل تلقائي، ما ألغى دور خادم السبيل الذي كان يعتني به.

شهدنا قبل أسبوع حادثة وفاة الشاب سالم الحيلي الشحي إثر تعرضه لصعقة كهربائية في أثناء استخدامه براد المياه (السبيل) الموجود في "وادي البيح" في إمارة رأس الخيمة، وهذه الحادثة ليست هي الأولى ولن تكون الأخيرة إذا ما استمر الحال على ما هو عليه بعدم إيجاد إجراءات ووسائل حماية للناس من برادات المياه المنتشرة داخل الدولة، وهذا يتطلب وضع النقاط على الحروف وتحديد المسؤوليات وإيكالها للجهات المعنية المختصة بها، في ظل تخبط أو تهرب الجهات المعنية من بيان أدوارها ومسؤولياتها تجاه برادات المياه "السبيل"، حيث وضّح مدير عام بلدية رأس الخيمة، منذر بن شكر الزعابي، أن برادات المياه المنتشرة في مختلف مناطق الإمارة غير مرخصة، ولا تخضع للرقابة من أي جهة في الإمارة، وأنه لا توجد إمكانية لترخيصها في الوقت الحالي، كونها لا تخضع لرقابة أي جهة حكومية.

وهنا نحاول أن نضع النقاط على الحروف، وبيان الجهات التي يقع على عاتقها المسؤولية، حيث نرى أن المسؤولية تقع في الدرجة الأولى على البلديات، فهي المعنية بإدارة جميع الممتلكات العامة داخل المدينة، فكما أن مسؤوليتها الحفاظ على جمالية المدينة، وسعيها جاهدة لمنع أي إعلان يوضع في غير مكانه أو يشوه المنظر العام، فعليها أيضاً أن تضع قواعد لإدارة "برادات مياه السبيل"، ووضع شروط تُلزم كل من أراد تخصيص وقف مشابه أن يخضع للرقابة للحفاظ على سلامة العامة، وهنا يجب الإشارة لوجوب ترخيص هذه البرادات على أن تجدد سنوياً، وإلزام أصحاب الوقف على صيانتها وفحص التوصيلات الكهربائية، والتأكد من سلامة المياه التي بداخلها، أو إيجاد جهة مسؤولة عن صيانة هذه البرادات منعاً لحوادث مشابهة لحادثة الشحي، وهذا ليس كافياً، بل نحتاج نحن كمستخدمين للبرادات إلى التأكد من سلامتها قبل استخدامها، لذا على البلدية بيان سجلات الصيانة، ووضع علامة الجودة أو السلامة الخاصة بكل براد.

المسؤولية في هذا الخصوص مسؤولية مشتركة، تبدأ من صاحب الوقف والبلدية، وقبل هذا كله على هيئة المواصفات والمقاييس، والتي يقع على عاتقها تشديد الرقابة على الشركات المحلية المنتجة لهذه البرادات، وأيضاً وضع شروط بما يخص البرادات المستوردة، لضمان أنها مطابقة للمواصفات ومعايير السلامة سواء بتوصيلاتها الكهربائية، وسلامة المياه بعد تبريدها، ومقاومتها للصدأ، على أن يوجد فاصل أتوماتيكي حال وجود خللٍ بها أو تلفها، وبهذا يجب أن توجد علامة خاصة بالهيئة توضع على هذه البرادات ليتسنى للعامة التأكد من سلامتها قبل استخدامها، وليطمئن فاعل الخير أنه اختار البراد المناسب للسبيل.

وبما أن سلامة المواطن والمقيم مسؤولية تتشارك بها العديد من الجهات والمؤسسات داخل الدولة، فلا بد أن نوجد فرقاً مختصة من عدة جهات حكومية كـ"البلديات، وهيئة المواصفات والمقاييس، ووزارة الصحة، وهيئات الكهرباء والمياه"، لتنفيذ حملات تفتيشية على برادات المياه لضمان سلامتها من مختلف الجوانب، وجميعنا يعلم أن هذه البرادات مصنوعة من الحديد، والمياه التي بداخلها موصلة بالتيار الكهربائي، فبمجرد وجود أي خللٍ في التوصيلات الكهربائية الداخلية والخارجية، أو في أنظمة السلامة قد تسبب صعقاً كهربائية، فهذا يُلزم الفريق المختص المناط عليه معاينتها أن يتأكد من سلامتها بشكل دوري، وبيان العُمر المستخدم لهذه البرادات ومقارنته بالعمر الافتراضي، والتأكد من صلاحية المياه للاستخدام البشري من عدمه، وهذه الإجراءات كفيلة بأن تفصل في سبب الوفاة كحادثة الشحي، بين قضاء الله وقدره وبين التقصير والقتل بالخطأ، وبهذا نضمن أيضاً أن الوقف يكون مصدر "أجرٍ" وليس مصدر "إثمٍ ووزرٍ".

فمن الصعب أن يتحمل أي شخص أراد عمل الخير جريمة قتل بالخطأ بسبب ضعف معايير السلامة التي تطبقها مؤسساتنا المعنية على برادات المياه المنتشرة داخل الدولة، حيث إن التقصير في مثل هذه الحوادث يقع على عاتق بعض تلك المؤسسات التي لم توجد نظاماً رقابياً لحماية المواطنين والمقيمين من الخطر، وهنا علينا أن نوضح أن القانون يحاسب كل مقصر في عمله تسبب في ضرر الغير، وبإمكان المتضرر إقامة دعوى جزائية للمطالبة بتعويض من المتسبب المباشر سواء بالضرر أو بالقتل الخطأ، وهذا ما تبينه المادتان (343،342) من قانون العقوبات، أما في حادثة الشاب الشحي وبما أن المتسبب مجهول حتى هذا الوقت فبإمكاننا كما الدول المتقدمة أن نطالب بمساءلة الطرف الذي تقع عليه مسؤولية سلامة كل من على أرض الدولة، ومن ثم يتم التسلسل لتحديد نطاق المسؤوليات لكل مؤسسة أو دائرة أو هيئة ومحاسبتها حال إثبات التقصير.