يحل علينا شهر رمضان الكريم، بروحانيته التي نمتثل لمعانيها الطيبة من الاجتهاد في العبادة، وتأكيد قيم الجود والكرم، ومعايشة قيم الصفح والتسامح، والإحسان إلى الآخرين، وتزكية النفوس وتطهيرها مما علق بها، فهو شهر ليس كالشهور، تتجلى فيه كل القيم الروحية والإنسانية، التي حض عليها ديننا، وتتطابق مع جوهر الإنسان وفطرته، قيم تتفرد بها الإمارات، وتأتي طبيعية في جوهر تكوين الدولة والقيادة والشعب.

في الإمارات يكتسب رمضان، سمة خاصة، فهو يأتي عنواناً ودليلاً على التسامح، حيث بات هذا النهج، ميزة لدولتنا، التي تعيش فيها عشرات الجنسيات في مجتمع واحد دون تفرقة أو تمييز، يعيشون معاً، تحت مظلة التسامح، في علاقاتهم، واحترامهم لخصوصيات بعضهم، ملاذهم القانون، فوق إدراكهم أنهم يعيشون في بلد، روحه وروح أهله التسامح، وشعارهم تقدير هذا البلد لما يقدمه من حياة كريمة وأمن واستقرار وحماية لكرامة الإنسان، عبر قوانين وتشريعات نصت على المساواة بين أفراد المجتمع وتجريم التمييز بين الأفراد أو الجماعات على أساس الدين أو المذهب أو العرق أو اللون أو الأصل، فيما الروح التي يلمسها المواطنون والمقيمون والزائرون، تؤكد أن التسامح، ممارسة طبيعية، كرستها التقاليد والعادات، قبل القوانين، ممارسة تعد جزءاً أصيلاً من الشخصية الإماراتية.

إن التسامح في بلادنا، يأتي ثابتاً راسخاً، في حياتنا، فهو ليس وليد لحظة، إذ يعد روحاً موروثة من الآباء والأجداد، هو نهج أسس له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وكرسته الرؤية الحكيمة للقيادة الرشيدة برئاسة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، واهتمام صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وحرص صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان.

تتجلى قيم رمضان بوضوح لا لبس فيه في الإمارات، حيث للإنسان قيمته الراجحة، وحيث الإمارات الدولة الأولى التي تؤسس وزارة للتسامح، بما يعنيه الأمر من قيم تتنزل على الممارسات والقوانين، وبما يجعل هذه الروح وضاءة في كل ممارساتنا، وهو واقع نراه حتى في تقييمات مؤشرات التسامح العالمية، حيث تقدمت الإمارات خمس مراتب في 2016 لتحتل المرتبة الثالثة عالمياً، مما يعبر بوضوح عن مدى الانفتاح والتفاهم والتعاضد التي يحظى بها جميع من يعيش على أرض التسامح، تجسيداً لقيم الاعتدال والتفاهم.

ويعبر الدور الرائد الذي تلعبه الإمارات عالمياً في ميادين الحوار واحترام الثقافات والأديان دون تمييز، بالإضافة إلى الدور الحيوي إقليمياً ودولياً الذي تضطلع به في نبذ العنف والتطرف والكراهية والعصبية وازدراء الآخرين، عن ذات روح التسامح المتأصلة في الكينونة الإماراتية، وأحدث مثال على ذلك الدعوة التي وجهها قبل أيام صاحب السمو رئيس الدولة إلى بابا الفاتيكان لزيارة الدولة، تعميقاً لفكرة التسامح وقبول الآخر.

وتتبدى فرادة الإمارات في هذا المجال في إدراك الدولة قيادة وشعباً، أن التسامح قلعة حصينة تحمي بلادنا من الظلاميين، وهو النهج الحاضر القديم الأصيل في دولتنا بكل تقاليده، لمواجهة اللحظة الصعبة في الإقليم، حيث ينكشف عمق بصيرة من يعتنقونه فكراً ومنهجاً، حين نرى الأحقاد تدمر الدول والشعوب، وهي أحقاد تولدت جراء غياب التسامح على كل المستويات، وتم توليد الفروقات المذهبية والعرقية والطائفية والاقتصادية، وتعظيمها لتشتبك معاً، ولتصنع عواصف ومواجهات دموية.

إننا مع حلول الشهر الكريم، ندعو الله أن يديم ظلال الخير على بلادنا، ويجنبها كل سوء، وأن تبقى حصناً منيعاً، سر منعته وحدتنا حول دولتنا وقيادتنا، وإشاعتنا لأرقى المثل الإنسانية، وعلى رأسها قيمة التسامح، شعاراً وأسلوب حياة.

* رئيس التحرير المسؤول