لم تكن دبي في حاضرها بعيدة عن تاريخها في الممارسات الحضارية التي جعلت منها مكاناً مناسباً للعيش، ومدينة للسعادة تحتضن الجميع ومن كل الأطياف، بل جعلت دبي من هذا الأمر ميثاقاً لها وطريقاً تحتذيه لتصل إلى العالمية.

ففي عام 1961 أصدر المغفور له الشيخ راشد بن سعيد، حاكم الإمارة آنذاك، مرسوماً بإعادة تشكيل مجلس بلدية دبي ويضم المجلس 16 عضواً عينهم الحاكم لمدة سنتين.

ضم ذلك المجلس في عضويته، إضافة إلى أعيان الإمارة، أحد التجار الهنود كممثل للجالية الهندية واثنين من الإيرانيين ممثلَيْن للجالية الإيرانية، وهما أكبر جاليتين أجنبيتين تعيشان في دبي آنذاك.

كان راشد مؤمناً بدور الأقليات الأجنبية في تنمية نهضة دبي، وبالتالي كان على يقين من أنها يجب أن يكون لها رأي في صناعة القرار عن طريق من يمثلها في إدارة المجالس المحلية.

كان رأي راشد صائباً. فعلى الرغم من كون تلك الجاليات وافدة وإقامتها في الإمارة مؤقتة، إلا أن راشد رأى أن ذلك ليس بمانع من أن يكون لها رأي في القرارات التي تصدر عن المجلس البلدي. فجزء من تكوين دبي الحضاري كان قائماً على دور الجاليات الأجنبية التي ساهمت بقدر كبير في نهضة دبي الاقتصادية، خصوصاً التجارية منها.

عاشت تلك الأقليات غير العربية جنباً إلى جنب مع الأغلبية العربية في تعايش وتسامح واضحين، وهو وضع أملته ليس فقط تعاليم الدين الإسلامي الحنيف والتقاليد العربية الأصيلة، ولكن أيضاً الظروف الاقتصادية التي جعلت من دبي مدينة تضج بالحركة والنشاط على مدار الساعة، الأمر الذي يتطلب استقراراً وهدوءاً ضروريين لاستمرارية النمو التجاري. فدبي كانت حالة جديدة على الساحل العربي للخليج، فهي من ناحية تمثل ثقلاً عربياً بدوياً، ومن ناحية أخرى، تمثل حالة تفرد المدن الساحلية وظهورها الاقتصادي الذي ساهم في نموها السياسي.

كانت فترة الخمسينيات والستينيات هي الفترة التي شهدت فيها دبي ظهور معظم مقومات البنى التحتية، وبالتالي كان التطور الحضاري جزءاً مهماً ومكملاً للتطور الحضري. وبالتالي شهدت دبي عدداً من الممارسات الحضرية والحضارية التي جعلت منها أحد أهم وأبرز موانئ الخليج ومدنه المتطورة الآخذة في التوسع والعمران بشكل كبير.

وسعى العديد من الرحالة والمصورين لزيارة تلك المدينة الميناء، والكتابة عنها، الأمر الذي أنتج حصيلة تاريخية ومعرفية مهمة للبحاثة والدارسين عن تطور دبي.

فدبي كانت أنموذجاً لمدن الخليج الحديثة التي كسرت النمط المتعارف عليه وخرجت إلى العالم بطبيعة جديدة وديناميكية مختلفة.

ولم تشأ تلك المدينة الصغيرة أن تفقد ملامحها العربية والإسلامية في ذروة تقدمها وتخطيطها الحضري، بل كانت تأخذ في الاعتبار أنها مدينة ذات طابع عربي مسلم، وأن تقدمها الحضري يجب ألا يصطدم بتعاليم الدين الإسلامي ولا الأعراف المحلية. عمل راشد على نشر قيم التسامح والتعايش السلمي وتعزيزه بين جميع أطياف المجتمع.

وبدا ذلك في حرصه الكبير على معاملة الجميع بعدالة تامة، من خلال تطبيق القوانين التي ضمنت حقوق الجميع بما فيها العمالة الوافدة والهامشية من عمال حمالين وغيرهم. فلم تشأ القوانين المحلية أن تركز على التجار ومن في حكمهم، بل أرادت القوانين أن تحمي الجميع.

وظهر ذلك واضحاً من خلال قوانين الكفالة والضمانات، والتي أرادتها أن تكون واضحة وأن تحمي المكفول وحقوقه من خلال الحرص على أن يكون الكفيل ذا سمعة جيدة. هذا الأمر عزز من قيم التسامح والتعايش، لأنه جعل من العدالة الاجتماعية ميزاناً وميثاقاً، وبالتالي جعل من مدينة دبي مدينة مستقرة اجتماعياً ومتطورة حضرياً وحضارياً.

هذه الأمور غير المسبوقة في مدن عربية كثيرة، هي التي هيأت لدبي أن تسبق غيرها، وأن تكون مكاناً لانطلاق مباحثات الاتحاد ومولده لاحقاً. فمما لا شك فيه أن جميع الإمارات شهدت تزايداً في الوعي الاجتماعي والثقافي والحضاري، ولكن دبي سبقت الجميع في التهيئة لتكون المكان الأمثل الذي شهد مولد الاتحاد.