استمرت الحكومات المتعاقبة في العراق منذ عام 2003، عرضة للتحدي الخطير، وبقيت الدولة تشكو بشكل مستمر من هشاشة وضعها، وسهولة اختراقه سياسياً وأمنياً..

ما أضفى على المشهد العراقي حالة اللا استقرار، التي لا نزال نشهدها حتى الآن. إلا أن التحدي الأكبر الذي واجهته الدولة العراقية، هو تنظيم داعش، الذي أصبح يهدد كيانها، فهو يضع نفسه بديلاً عنها. اقتصرت إجراءات الحكومة في مواجهتها لهذا التحدي على الجانب العسكري، فقد نجحت القوات المسلحة العراقية في تحرير مدن عديدة من سيطرة هذا التنظيم..

في سياق الحرب عليه، منذ ما يقارب السنتين، وها هي في طريقها لتحرير مدينة الفلوجة، استكمالاً لتحرير عموم محافظة الأنبار. معركة تحرير الفلوجة، تشهد اهتماماً إعلامياً غير مسبوق، لم تشهده أية معركة أخرى لتحرير مدن أكبر، كالرمادي مثلاً، عاصمة الإقليم، وذلك لما لهذه المدينة من رمزية، ارتبطت بصلابتها وعنادها وإصرارها على مقاومة الاحتلال الأميركي، ورفض الواقع الذي فرضه هذا الاحتلال، ما ترتب عليه في نهاية المطاف..

وقوعها فريسة في أيدي تنظيم داعش مطلع عام 2014، وأصبح أهلها رهائن لدى هذا التنظيم. وقد تعزز الاهتمام الإعلامي بمعركة الفلوجة، في ضوء القلق الذي تبديه منظمات دولية على حياة المدنيين، بعد الوعيد باجتثاث المدينة الذي ورد على لسان أحد قادة المليشيات في شريط فيديو، يستعرض فيه قواته.

الفلوجة أكثر المدن المحتلة من داعش تضرراً، فأهلها يشهدون حصاراً مزدوجاً من الداخل والخارج، أسهم في تجفيف ما لديها من موارد غذائية ودوائية، تحريرها أصبح ضرورة قصوى، وأهلها يطالبون بذلك قبل غيرهم. الانتصارات العسكرية التي تحققت في عدد من المدن..

وطرد تنظيم داعش منها، لم تعززها نجاحات على المستويات السياسية والأمنية والمجتمعية، ما قلل من شأن هذه الانتصارات، بسبب الفوضى التي عمت هذه المدن، والعمليات الانتقامية التي مارستها المليشيات فيها.

فوفق منظمة الهجرة الدولية، تجاوز عدد المهجرين داخل العراق، الثلاثة ملايين، هجروا بسبب تنظيم داعش في المدن التي احتلها، ثم تضاعف بسبب الحروب التي شنتها الدولة على التنظيم لإخراجهم من هذه المدن، التي تحولت معظمها إلى ركام من الأنقاض، يصعب عودة أهلها لها، خاصة في المناطق المتاخمة لإيران في محافظة ديالى.

استراتيجيات تحرير المدن، كشفت عن نقص خطير، يتعلق بعدم وجود خطط لمواجهة متطلبات ما بعد التحرير لإعادة الحياة المدنية لها، وتلبية الحاجات الأساسية لأهاليها، خاصة ما يتعلق منها بالأمن، فقوات الجيش ليس من مهامها مسك الأرض وحفظ الأمن، فهذه من مهام القوات الأمنية المحلية، التي لم يعد لها وجود، ما ترك المجال متاحاً للمليشيات لفرض سيطرتها، ما ضاعف من معاناة أهلها.

فرحة أهالي هذه المدن بطرد داعش لم تكتمل، فهم ما زالوا مشردين يقيمون في المخيمات، وسط شحة شديدة في القدرات التي تقدمها الحكومة، بسبب الأزمة المالية التي يمر بها العراق، وبسبب تفشي الفساد في مؤسساتها.

ستنجح القوات المسلحة العراقية في تحرير الفلوجة، ثم في تحرير الموصل، فهزيمة داعش حتمية، ولكن هل ستنتهي التحديات التي يواجهها العراق بالقضاء على هذا التنظيم؟، وهل سيصبح العراق أكثر استقراراً وأكثر أمناً لمواطنيه؟، وهل ستسترجع الدولة هيبتها التي قام تنظيم داعش بالنيل منها؟، وهل سيصبح الطريق سالكاً أمام العراق لتحقيق التنمية والتطور، بمعزل عن الإرادات الإقليمية؟.

للإجابة عن هذه التساؤلات، لا بد من الإشارة إلى ناحية في غاية الأهمية، فنحن لا نكشف سراً، حين نقول إنه لم تكن للعملية السياسية الجارية، شعبية تذكر في العديد من مناطق العراق..

وخاصة تلك التي احتلها داعش، كما أن ممثلي هذه المناطق في مجلس النواب، هم الآخرون لم يعد لديهم شعبية حقيقية فيها. حقبة ما بعد التحرير، تواجه العديد من الإشكالات، خاصة أن عمليات التحرير لم تسهم في تخفيف الاحتقانات الطائفية، إن لم تكن قد زادتها استعاراً.

السيناريوهات التي تمت بها المعارك ضد تنظيم داعش، قد خلقت أرضية قوية لنشوء تحدٍ خطير، ليس للحكومة فحسب، بل لمستقبل الدولة العراقية. فاشتراك المليشيات بشكل كثيف في المعارك السابقة، وظهور قادتها بشكل علني، مع قائد فيلق القدس الإيراني، ليست بالرسائل الإيجابية المطمئنة، وذلك لأن النفوذ الذي حصلت عليه هذه المليشيات، سيكون له استحقاقاته السياسية في المستقبل، على حساب هيبة الدولة واستقلالية قراراتها.

الجيش العراقي، على الرغم من التغييرات التي طرأت على بنيته في عهد النظام السابق، وفي العهد الحالي، يبقى من حيث المبدأ، ووفق الدستور، المؤسسة الأكثر دلالة، في تشكيلها ومهامها وتقاليدها ومرجعيتها وعقيدتها، على وحدة العراق أرضاً وشعباً، التجاوز على هذه الحقيقة، وخلق جيش آخر بعقيدة مخالفة، ومرجعية أخرى، خطأ فادح، سيدفع العراق ثمناً باهظاً له في المستقبل.

في مواجهة تنظيم داعش في الفلوجة، الذي لا يتجاوز تعداد أفراده الألف مقاتل، في أحسن الحالات، والذي حوصر وقطعت خطوط إمداداته، ويفتقر إلى اللوجستيات على مختلف الأصعدة، هذا الجيش ليس بحاجة لدعم المليشيات لتحقيق النصر، فلديه قوات عسكرية على درجة عالية من الاحتراف، كالفرقة الذهبية، وقوات مكافحة الإرهاب، وقوات الرد السريع، ويمتلك دعماً جوياً قوياً من القوات الجوية العراقية، ومن قوات التحالف الجوية، التي يحصل منها على دعم مخابراتي فائق الدقة.