بغض النظر عن بعض العمليات الإرهابية الفردية، التي تحدث بين فينة وأخرى، وتعكس في مجملها حالة الترنح واليأس، التي تحاصر الجماعات التكفيرية والمتطرفة.. إلا أنه يمكن القول على ضوء الحقائق الميدانية والبيانات الرسمية المعلنة إن الجيش المصري نجح بالفعل في تقليم أظفار الإرهاب على أرض شبه جزيرة سيناء، بل انه أصبح قاب قوسين أو أدنى من إعلان أراضي سيناء خالية من الإرهاب..
ولم يكن ذلك ممكناً إلا بالخطة المحكمة التي تبنتها القوات المسلحة، ونجحت من خلالها في تضييق الخناق على الجماعات الإرهابية، واضطرتها في الوقت ذاته إلى الهروب عبر البحار أو المدقات والطرق الجبلية والصحراوية بحثا عن ملاذات جديدة لها.
وبالتأكيد، لا يتمتع »داعش« الإرهابي بوجود قوي أو ظاهر على أرض سيناء وفي مصر عموماً باستثناء ارتباطات ولائية من جانب بعض الجماعات الإرهابية على غرار »بيت المقدس«، التي بايعت داعش، ومن ثم لا يمكن الحديث عن خطر لداعش في مصر مثلما هو الحال على الأراضي العراقية والسورية، ولكن الحملة النظامية المصرية على هذه الجماعات لها أكثر من دلالة وتبعث بأكثر من رسالة.
وحتى تكتمل الصورة وتتضح المعالم والرسائل في صورتها الشاملة، ربما كان من الضروري الحديث عن الهزائم الكبرى التي تعرض لها »داعش« في العراق وسوريا واسترداد مساحات شاسعة من الأراضي من بين براثنه، ومن تحت أقدامه بعد معارك ضارية معه في البلدين، حتى ولو تم ذلك بمساعدة أطراف خارجية في حرب مفتوحة تداخلت فيها بشدة الصراعات الدولية والإقليمية والمحلية.
فإذا ما كان الحديث عن مواجهة الإرهاب ومحاربة داعش في بلاد الرافدين، فقد شاهدنا كيف أن التحالف الدولي، الذي يضم عشرات الدول يحارب هذا التنظيم ويشن عليه آلاف الغارات، منذ أكثر من عام إلا أن العالم لم يلمس أي تقدم حقيقي على صعيد الخلاص من داعش.
ولهذه الأسباب يمكن القول إن الموقف الروسي جاء كاشفاً إلى حد ما لطبيعة التحركات لأطراف غربية أخرى يبدو أنها توظف داعش لمصالح خاصة، فبعد أشهر قليلة من الإعلان عن التدخل العسكري الروسي المباشر (بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع أهدافه ودوافعه) أمكن التوصل إلي إنجازات مختلفة على أرضية الميدان أبرزها كما هو واضح تحرير مساحات كبيرة من الأرض بعد دحر داعش خاصة في تدمر ومحيطها.
وفي ضوء هذه العوامل مجتمعة يمكن القول إن التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها داعش ستشهد في الغالب انحساراً وتراجعاً تاماً وستخسر معظم مواقعها وأراضيها في المستقبل القريب، ولم يكن ما تحقق في سوريا والعراق وكذلك في مصر مؤخراً سوى تأكيد ميداني لذلك.
والحقيقة أن تنظيم داعش قد بلغ ذروة تمدده في العام الماضي ووصلت به القوى التي دعمته وتركته ينتشر ويتوغل إلى ذروة استخدامه والاستفادة به في إحداث حالة مغايرة وخلق بيئة يسهل من خلالها تحقيق التغيرات الاستراتيجية المرغوبة من جانبها، تماماً كما حدث مع تنظيم القاعدة وحالة الاحتلال السوفييتي للأراضي الأفغانية في الثمانينات من القرن الماضي.
وليس مستبعداً أن نشهد في الفترة المقبلة هجمات ضارية على مواقع التنظيم لطرحه أرضاً بقدر المستطاع بإسناد غربي مباشر، بعد ما استنفد التنظيم الإرهابي أهدافه، وتغيرت معادلات كثيرة على الأرض، وقد أصبح ذلك مطلباً دولياً بعدما وصلت مخاطر التنظيم مباشرة إلى الأراضي الأوروبية في صور متعددة، ما يحتم الخلاص منه قبل استفحاله أكثر وزيادة مخاطره، والهجمات الإرهابية التي وقعت مؤخراً في بلجيكا ومن قبلها فرنسا هي خير معبر عن تلك المخاطر القائمة حالياً والمحتملة مستقبلاً.
وثمة رسالة أخرى من الرسائل التي انطلقت من واقعة تحرير مساحات شاسعة من الأراضي من قبضة داعش بعد معارك متعددة ومتنوعة الأشكال، لعل على رأسها وأكثرها أهمية قدرة الجيوش العربية على التخلص من التنظيمات الإرهابية لو تهيأت لها الفرصة لمحاربتها بعيداً عن التدخلات الخارجية المغرضة، ليس هذا فحسب..
ولكن التدخلات الخارجية ذاتها كثيراً ما كانت سبباً في خلق المشاكل وتفاقمها وزيادة أمد الأزمات والحروب وتهيئة البيئة اللازمة لتأسيس هذه التنظيمات الإرهابية وتسمينها.
وأغلب الظن أن مضمون ومعاني تلك الرسائل الناجمة عن التطورات الميدانية الأخيرة ستطلق حقائق مهمة في ما يتعلق بالحرب على الإرهاب ومواجهة تنظيم داعش بشكل خاص، وتحجيم خطره إلى أقل درجة ممكنة، بعدما استنفد الكثير من أهدافه وأغراضه لصالح أطراف خارجية حاولت تحقيق أكبر قدر من المصالح الخاصة ولو على حساب شعوب ودول المنطقة التي تثبت قدرتها على تحقيق أهدافها لو أتيحت لها الفرصة وأخذت زمام أمورها بأيديها.