حين يبدو الفلسطينيون وكأنهم يمرون بحالة من الحيرة وفقدان البوصلة، جراء عوارض ذاتية أو خارجية، كالانقسام الوطني، وانشغال الحاضنة العربية بالتنازع متعدد العناوين راهناً، فان الإسرائيليين يحاولون التنصل من فكرة الاستقلال الوطني الفلسطيني، ويعتبرونها طموحاً لا لزوم له.

شيء من هذا التوجه يتلصص الآن لدى بعض الدوائر الإسرائيلية، وموجزه إعادة تأهيل ما يعرف بالخيار الأردني. ونحسب أن هذه الاستعادة تثير مجدداً الجدل القديم حول الصلة بين الفلسطينيين وأرومتهم القومية عموماً، بمفهوميها الفلسطيني العربي من ناحية، والصهيوني الإسرائيلي من ناحية أخرى.

على الجانب الفلسطيني العربي، لا يشك السواد الأعظم، ولا سيما من العناصر والقوى المؤمنة بالقومية العربية ووشائجها، في إلحاح الخطر الصهيوني وضرورة مؤازرة الكفاح الفلسطيني الطليعي في مواجهته. نحن هنا إزاء اعتقاد عام، وإن بدرجات متفاوتة عربياً، بحتمية التعامد مع الشعب الفلسطيني، لأسباب ودواعٍ تخص أمن الكيانات العربية فرادى ومجتمعين.

لكن غير الشائع، أن الجانب الصهيوني الإسرائيلي ليست لديه اعتراضات قاطعة مانعة ضد عروبة الفلسطينيين، كجماعة إنسانية بالتحديد، بالقدر الذي يعترض فيه على استقلال فلسطين كجغرافيا وتاريخ وانتماء وهوية سياسية وطنية.

مفارقة التوافق غير المباشر بين فلسطينيين وعرب من جانب، وصهاينة وإسرائيليين من جانب آخر، على «عروبة الفلسطينيين»، لا تقوم على منطلقات مشتركة، ولا تستهدف غايات واحدة. إن عطف القوميين العرب يتجاوز، نظرياً على الأقل، الفلسطينيين كجماعة إنسانية، إلى فلسطين ذاتها، وضرورة صيانتهما والدفاع عن عروبتهما معاً، الأرض والشعب.

عروبة فلسطين وأبنائها عند العروبيين، هي حقيقة تاريخية لا مراء فيها، وهي أيضاً وسيلة كفاحية. وهذا يخالف المقاربة الصهيونية للمصطلح على نحو كلي. فالفلسطينيون عند الصهاينة، هم عرب أقحاح، ولكن بدون فلسطين. هم عرب، طالما كان الاعتراف بعروبتهم مدخلاً لإفراغ طاقتهم النضالية الوطنية، وتذويبهم في المحيط العربي.

مؤدى ذلك، أنه ليس لدى الصهيونية، فكراً وحركة، غضاضة في أن تحتوي العروبة أبناء فلسطين، أو تحتضنهم بين أكنافها الجغرافية والسكانية والاقتصادية... إلخ. إن لم يحدث ذلك، فإلى أين يذهب الفلسطينيون الناجون من محرقة 1948 وتوابعها؟.

فهم إن أوصدت الأبواب العربية دونهم، لن يجدوا من دون فلسطين موئلاً، وسوف يتجدد الحنين الوطني بينهم بكل تداعياته على إسرائيل. لقد كان توطين اللاجئين في الرحاب العربية الأم، الواسعة والقادرة على الاستيعاب، بحكم الأصل القومي الواحد، حلاً مثالياً لإفناء الهوية الوطنية الفلسطينية.

وكان الشرط الشارط لتشجيع هذا «الحل النهائي»، وما زال، هو عدم انحراف اندماج الفلسطينيين بالعروبة إلى سلوك كفاحي، أي ألا يصبح العرب ظهيراً لحركة وطنية فلسطينية، تستعد لجولات نضالية أخرى.

إعادة إسكان الفلسطينيين في حياة جديدة بين «أبناء أمتهم العربية»، تبدو في العقل الصهيوني الإسرائيلي، مسألة مقبولة. باعتبارهم عرباً سوف يعيشون بين عرب، فأين المشكلة؟، وحين غادر اليهود العرب إلى إسرائيل، انتعش هذا التحليل السطحي أكثر، إذ باتت المسألة تعني تبادلاً سكانياً بين العرب واليهود.

على مدار الصراع الصهيوني العربي، ظل في الدوائر الصهيونية الإسرائيلية، من يستدعي عروبة الفلسطينيين، ويستنجد بها على هذا النحو النفعي شديد الانتقائية، وكان الهدف، وما زال، هو التخلص من الهوية الوطنية الفلسطينية بعامة، ومن قضية اللاجئين بتوطينهم في أحشاء «أمتهم» بخاصة، وكان الأردن المجال المرشح أكثر من غيره لتطبيق هذا المنظور.

ولا تبتعد محاولة إثبات مسؤولية العرب عن تهجير يهود العالم العربي عن هذا الهدف، بحيث تذهب حقوق الفلسطينيين كعرب في فلسطين، مقابل «حقوق اليهود» الذين «هجرهم العرب».

وإذا ما أقر الإسرائيليون تعريفهم لدولتهم، كدولة قومية لليهود فقط، فسوف يعيدون حديثهم المأفون والمفخخ، حول فكرة التبادل السكاني، الذي بدأ بزعمهم عام 1948. الشاهد أن اعتراف إسرائيل بالفلسطينيين كشعب، أو حتى كدولة، لن يعدل منظورها لوظيفة أواصرهم العربية.

ففلسطين المقبلة، ينبغي أن تنغمس أو تلتحم سريعاً، أو تنصهر في كيان عربي آخر، بما يفضي إلى أفول اسمها وهويتها وكفاحها الوطنيين. أي انحراف عن هذه الوظيفة، كتعزيز الاتجاه الرامي إلى تحرير فلسطين التاريخية، بحسبها جزءاً مغتصباً من أرض العرب، ومستوطناً بالغرباء، يشكل خطاً أحمر في الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي.