مهما كانت درجة الاتفاق أو الاختلاف مع المشروع السياسي الذي تبناه ويسير عليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي منذ توليه مقاليد السلطة في البلاد في منتصف عام 2014.

بتفويض شعبي كاسح في انتخابات رئاسية حرة ونزيهة، وربما قبل ذلك في الثلاثين من يونيو عام 2013 والثالث من يوليو من العام ذاته بإقصاء الإخوان المسلمين من السلطة بتوافق ضخم وتأييد قوي من مختلف القوى الوطنية والشعبية..

إلا أنه لا يمكن لأي مراقب أو محلل سياسي متابع بدقة لحالة الفوران التي يعيشها المجتمع المصري بمختلف فئاته وطوائفه وتركيبته الفريدة إلا الإقرار بأن السيسي نجح على مدار الأشهر الماضية في الفوز باعتراف العالم بشرعيته والنظام الجديد في مصر من رحم المعاناة ووسط ظروف بالغة القسوة والتعقيد على كل المستويات الداخلية والخارجية والإقليمية.

عوامل كثيرة ساعدت السيسي على تجاوز هذه الصعاب والعبور بالدولة المصرية إلى بر الأمان، نرى أن على رأسها الاعتراف بمشروع 30 يونيو وشرعيته ونظامه خاصة على الصعيدين الإقليمي والدولي، ولم يكن ذلك ممكنا إلا في ضوء حقيقتين مؤكدتين، الأولى خروج الشعب المصري بالملايين في ذلك اليوم دعما للسيسي ورغبة لخلع الإخوان من الحكم بعد سنة من التردي السياسي والاقتصادي والثقافي..

وكذلك الأمني مما قدم مستندا قويا أمام العالم أجمع بوجود قاعدة جماهيرية ضخمة لهذا المشروع وأيضا لصاحبه، أما الثانية فتتمثل في شخصية الرئيس السيسي ذاته وقدرته الكبيرة على الاحتمال وصبره الهائل في مواجهة صعاب تنوء بالفعل بحملها الجبال..

لقد أطلق السيسي مشروعه بينما مصر على وشك الغرق في رمال ناعمة تفقدها توازنها لعقود عديدة مقبلة، ولكن إيمان الرجل ببلاده وشعبه وبرؤيته الإستراتيجية الشاملة مكنته من التحرك الفعال في كل الاتجاهات.

نجح السيسي منذ توليه الرئاسة في الفوز بحب وثقة وتأييد الشعب المصري بعدما أظهر من روح قومية تعلي فقط من شأن الوطنية المصرية بعيدا عن انتماءات أو أهواء طائفية أو فئوية أو عرقية فكان ذلك عاملا مشجعا للغالبية العظمى للوقوف إلى جوار الرجل في أصعب الظروف وأشدها قسوة من أجل العبور إلى ما هو أفضل.

وبالفعل مصر اليوم تختلف بشدة عن مصر العام الماضي والأعوام السابقة، وتختلف كليا عن مصر ما قبل السيسي، اليوم نستطيع أن نتحدث عن دولة متكاملة الأركان والمؤسسات برؤية واضحة للمستقبل وحرص شديد على الإصلاح الشامل، دولة تنعم بدرجة عالية جدا من الاستقرار الأمني برغم التحديات القائمة في شكل معارك شرسة مع الإرهاب والإرهابيين خاصة على أرض شبه جزيرة سيناء.

ولا شك في أن العائد من تلك المواجهات كان نجاحا باهرا وضربات قوية للجماعات الإرهابية ليثبت بذلك أن دماء الشهداء من أبناء الشرطة والجيش لم تذهب هدرا، وإنما أثمرت ورودا وزهورا من الاستقرار والقفزات التنموية نحو المستقبل.

ولكن المؤسف في الأمر أن أطرافا إقليمية وأخرى دولية تشعر على ما يبدو بالانزعاج الشديد لمجرد استشعارها بأن مصر على وشك الخروج من عنق الزجاجة أو أنها في سبيلها لاستعادة دورها الفاعل والمؤثر في المنطقة..

فبدأت في وضع العراقيل والصعاب أمام المشروع المنطلق بقوة لإسقاطه أو لتعطيله أو حصاره على أقل تقدير لأن تلك الأطراف لا ولن تنسى للسيسي أنه أسقط مشروعا ضخما يرتبط بنظرية الفوضى الخلاقة الأميركية فضلا عن أنه يتبنى مشروعا وطنيا لا ترضى به أطراف وقوى دولية مهيمنة.

وعلى هذه الأرضية جاء حادث تفجير طائرة السياح الروس فوق أرض سيناء خلال شهر أكتوبر الماضي، وهو عمل مخابراتي من الدرجة الأولى أدى لجملة من النتائج بضربة واحدة أبرزها ضرب السياحة إلى مصر وبالتالي ضرب الاقتصاد الوطني.

وقد أدى حادث الطائرة بالفعل إلى تحقيق كل هذه الأهداف الشيطانية، ثم جاء حادث مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني والعثور على جثته ملقاة في مكان معزول بطريق مصر ـ اسكندرية الصحراوي وسط ظروف غامضة لم يكشف اللثام عنها بعد، وربما يكون كذلك عملاً مخابراتيا بحتا بهدف ضرب العلاقات المصرية ـ الإيطالية وتشويه صورة مصر.

ليس هذا فحسب ولكن هناك بالفعل ما يشبه الحرب الاقتصادية على البلاد؛ فما كاد مشروع ازدواج قناة السويس يعلن عن نجاحه حتى انطلقت حملات خفية لصرف السفن العالمية عنها وسلوك ممرات بحرية بديلة، بل تم أيضا خلق سوق سوداء في بعض الأسواق العربية لشراء تحويلات المصريين من العملات الدولية الحرة بدلاً من تحويلها إلى بلادهم، مما أدى إلى حدوث أزمة خانقة تتعلق بالعملات الأجنبية في مصر وتراجع سعر الجنيه بصورة حادة في فترة قياسية.

ليس خافيا أن مثل هذه التصرفات ليست عشوائية ولكنها تأتي في إطار أشمل لخطة محكمة تشارك فيها عناصر خارجية وداخلية كذلك لحصار مصر وكسرها أو خنقها، وأغلب الظن أن القيادة المصرية مدركة لحجم الأزمة ولطبيعة المشكلة، ولا شك في أنها قادرة على المواجهة وتجاوز الصعاب.