سئلت مؤخراً عن مواقف السياسة الخارجية، التي اتخذتها هيلاري كلينتون أو اتخذها دونالد ترامب، وما تعنيه بالنسبة للسياسة الخارجية في حال فوز أحدهما.
وقد استدرك السائل وكأنه يريد نفياً قبل الإجابة عن سؤاله قائلاً »وهل من الممكن فعلاً أن يفوز ترامب بالرئاسة أصلاً رغم أن هيلاري تسبقه في أغلب استطلاعات الرأي؟«.
فهمت مغزى السؤال الثاني، فبدأت به إجابتي. قلت إن استطلاعات الرأي الحالية ليست معياراً، إذ ما زال أمامنا ما يزيد على خمسة أشهر قبل الاقتراع العام في نوفمبر المقبل..
وهي مدة طويلة بحسابات الحملات الانتخابية للرئاسة. إجابتي عن احتمالية فوز ترامب تأتي بالإيجاب، فلو ظلت الأمور على حالها اليوم، يمكن بالفعل فوز ترامب، لأن اختيار الرئيس الأميركي لا يتم عبر الانتخاب المباشر، وإنما عبر ما يسمى المجمع الانتخابي، الذي قد تؤدي حساباته لفوز كلينتون أو ترامب، فالولايات، وليس الناخبين، هي التي تختار الرئيس فعلياً.
وصوت الناخب يحسب في الولاية، التي يدلي فيها بصوته. والولاية، لا الناخب، هي التي لها صوت في المجمع الانتخابي! والمجمع الانتخابي عبارة عن عدد كلي موزع على الولايات توزيعاً في حقيقته مرتبطاً بعدد السكان، فلكل ولاية في المجمع الانتخابي عدد »أصوات« يساوي عدد أعضائها في مجلسي النواب والشيوخ.
وهو ما يعني أن ولاية كبيرة سكانيا، ككاليفورنيا لها 55 »صوتاً« بالمجمع الانتخابي (53 نائباً وعضوان في مجلس الشيوخ)، بينما ولاية صغيرة سكانياً كألاسكا لها ثلاثة أصوات فقط (نائب واحد وعضوان بمجلس الشيوخ).
والمرشح الذي يفوز بأعلى نسبة من أصوات الناخبين في الولاية، يحصل علي كل أصواتها في المجمع الانتخابي. ولأن العدد الكلي للمجمع الانتخابي هو 538، فإن الفائز بالرئاسة لا يكون هو الحاصل على أعلى نسبة من أصوات الناخبين، وإنما الحاصل على أغلبية بسيطة من أصوات المجمع الانتخابي، أي 270.
وهذا النظام هو الذي بإمكانه أن يعلن ترامب رئيساً لأميركا! فـالعامل الحاسم هو أصوات الولاية في المجمع الانتخابي، التي يفوز بها المرشح الحاصل علي أعلي نسبة من أصوات الناخبين، وليس بالضرورة الأغلبية.
ولو تصورنا هامشاً ضئيلاً للغاية في ولايات عدة لصالح ترامب، فإنه سيحصل على »كل« أصوات المجمع الانتخابي في تلك الولايات رغم أن ملايين الناخبين أعطوا صوتهم لمنافسته. ومشكلة كلينتون هي أن الكثير من داعميها لا يدعمونها بقوة، وكانوا يفضلون غيرها، فضلاً عن أنها حتى الآن لم تنجح بعد في استقطاب الشباب.
وكثيراً ما حسمت الانتخابات لصالح مرشح لأن أنصار منافسه لم يُقبلوا بقوة على التصويت، فالذي حسم المعركة لأوباما في 2008، هو الإقبال الكاسح على التصويت بين القطاعات التي أيدته، لكن للأمانة فإن درس انتخابات 2012 يقول أيضاً إن المرشح الجمهوري لا يمكنه أن يفوز بأغلبية أصوات البيض من الذكور وحدهم، وهم القطاع الأكثر تأييداً لترامب.
أما السؤال الخاص بمواقف المرشحين في السياسة الخارجية، وما تعنيه للشرق الأوسط، ففي تقديري، فإن المواقف المعلنة حتى الآن لا يعتد بها مطلقاً لا بالنسبة لكلينتون، ولا لترامب وإن اختلفت الأسباب بالنسبة لكل منهما، فهيلاري كلينتون صاحبة سجل سياسي طويل، فهي كانت قرينة للرئيس ثم عضوة بمجلس الشيوخ، ثم وزيرة للخارجية، ورشحت نفسها للرئاسة مرتين..
لكن هذا السجل السياسي ليس في صالحها إذا ما كنا نريد أن نحلل ما ستكون عليه مواقفها حال فوزرها بالرئاسة، فهي على مدار ذلك التاريخ الطويل غيرت مواقفها من أغلب القضايا الداخلية والخارجية أكثر من مرة، بدءاً بقضية عدالة النظام الجنائي القضائي الأميركي ومروراً بقضية التجارة الخارجية ووصولاً حتى للموقف من القضية الفلسطينية.
أما دونالد ترامب، فالمواقف التي أعلنها حتى في خطابه الشهير بخصوص السياسة الخارجية ليست معياراً، هي الأخرى، إذا ما فاز بالرئاسة، لأن الأهم بكثير في حالة ترامب تحديداً هو الطابع »الفاشي«، الذي أفصح عنه الرجل. ووصف »الفاشي« ليس من عندي، وإن كنت لا أراه مبالغة على الإطلاق، فهو وصف أطلقه عليه أيضاً عدد من الرموز السياسية الأميركية المهمة.
وحين يفوز اليمين الرجعي المتطرف في فرنسا أو إيطاليا مثلاً، الذي يخاطب في الناس هوايتهم الأولية وأسوأ ما فيهم، لا يسأل أحد ما الذي ستكون عليه سياسته الخارجية، إذ يظل الأهم منه الجو العام، الذي ستصنع فيه تلك السياسة. ويفترض أن أميركا تختار رئيساً سيعمل وسط مؤسسات متعددة..
بينما الرجل طوال الحملة لم يتورع عن الحديث بالمفرد، باعتباره »الأكثر« ذكاء و»الأكثر« فاعلية، بل وحتى »الأكثر« وسامة، والذي »دائماً« على حق! وهو لم يتورع عن إهانة كل من هو مختلف عنه، أي عن »الرجال البيض«. وفي مثل هذه الحالة، لا معنى أصلاً للسؤال عن طبيعة سياسات خارجية أو حتى داخلية.