عندما يتحول أي مسؤول أو مطلع أو مهتم لمتفقد للجديد الطارئ، على نهج الفاروق عمر بن الخطاب، حينما كان يتجول في المدينة كل ليلة ليطلع على أحوال الناس، رغم الاختلاف الشاسع بين الزمانين، حيث بات الأمر اليوم لا يحتاج إلى عناء التجول.
فالعالم أجمع أصبح بين يديك، فبمجرد الجلوس خلف شاشة الهاتف يستطيع أحدهم تفقد الأحوال والأقوال والأهواء والآراء من خلال تطبيق تويتر، تلك المنصة التي تحوي نسبة كبيرة من أبناء مجتمعنا، فيطمئن عليهم وعلى ما وصل إليه نتاج فكرهم، ماذا يغردون، وعلى ماذا يعلقون؟!، ومن هنا يمكنه التعرف على المتخاصمين، والمتحابين والطيبين والحاقدين أو الكارهين الضالين والمضللين.
ولو تكلمت عن نفسي وخلال جولتي الباحثة الدقيقة المستفسرة والتي أقصد بها بيان أوجه الخلاف والاختلاف بين أفراد المجتمع، لاحظت وجود حالة من «فوضى الأفكار»، وحالة مصاحبة لها اسميها «تصفية حسابات»، وكأن المجتمع انقسم إلى أقسام متفرقة أطلقوا عليها أسماءً مختلفة منها (جماعة اللبراليين)..
وجماعات دينية، وآخرون يلبسون رداء المثالية، رغم أنهم يشتمون هذا ولا يقصرون بحق ذاك (لكن بالعقل)، ويعتقدون أنهم في الوسط رافضين هذه المسميات مع أنهم هم من يطلقونها، وبأنهم هم الكاشفون عن المستور، ليصدروا أحكاماً على كل شخص وينسبونه لأي جماعة وينشرون هذه المسميات بجهل فظيع، مع أنهم بنظر أنفسهم مثقفون وكتاب ولديهم جمهورهم من المتابعين.
الجدال مع مدعي المثالية شبيه بالجدال مع من يعتقد أن الأرض ليست كروية، فالاثنان يحاولان إثبات صحة كلامهما بالتجارب العلمية والآيات القرآنية، وتناسا مفهوم المنطق الذي يحتم علينا النقاش بفرضية الواقع، ونسيا بأن منطق العقل والدين منهج واقعي، والواقعية تتطلب المصارحة والصدق وكما هي الحالة دون تجميل أو تأليف، مع الالتزام بالأدب والاحترام.
فالنقاش الحقيقي نقاش أفكار وليس نقاش أشخاص، ومشكلتي ليست مع مدعي أن الأرض ليست كروية بقدر ما هي مع مدعي المثالية، ومعتقدي المدينة الفاضلة والتي لو أُطلع على تفاصيلها فما أظنه قد استوعب منها غير مصطلحها دون العلم بمحتوياتها ومناهجها.
إن كانت هذه التصرفات نتاج طرح فكري، ونقاشات بين العقول فأبقوها كما هي، فمن الجميل أن نجد اختلافات في الأفكار بين أفراد المجتمع، وهذه حالة صحية لننعم بنتاج ثقافي متميز، أما إن كانت «تصفية حسابات»، فراجعوا حساباتكم، فسيأتي اليوم الذي ستعلمون وتتأكدون من أن العداء لن يعود عليكم بالربح.
زحمة المنافسة للحصول على الشهرة السريعة أظهرت لنا موضة جديدة (موضة الكتاب والمفكرين)، والمنتشرة بكثرة في وسائل التواصل الاجتماعي، ولا يعنيني منعهم أو تشجيعهم فلهم الحرية في ذلك، لكن أن يتطاولوا على كتابنا ومثقفينا، وينسبون إليهم مصنفات لا تنطبق عليهم فهذا أمر مرفوض تماماً، وإن كنتم جديرين بهذه المسميات (الكتاب والمفكرين) فلتتعلموا أدب الحوار أولاً..
وثقافة النقاش ثانياً قبل أن يأخذكم غروركم للهاوية، وليعلم أمثال هؤلاء أن المثالية الزائفة ستسقط يوماً ولن تجدوا برصيدكم ما يستر هفواتكم ونزواتكم، فمهما كانت مدروسة بحرفية إلا أن أساسها زائف، لذا لنزيل الأقنعة ونتحدث بصراحة، ونسأل ونتسأل من أنتم لتطلقوا هذه المصنفات؟!، ومن نصبكم خلفاء في الأرض لتحكموا على البشر بمسميات ومفردات تجهلون معانيها ومقاصدها.
ربما لغة العصر أوجدت أحزاباً أو جماعات جمعتهم تغريدات تويتر، ومكان التقائهم أوسمة (هاشتاغ)، ومحاور نقاشهم نسبة الألقاب على الآخرين، وطرق دعمهم ومساندتهم لبعضهم البعض (الريتويت)، ولا استغرب إن وجدنا في الزمن القريب «جماعات تويترية»، مثل «حزب العمال التويتري» أو «حزب الديمقراطية الفيسبوكي» أو «جماعة الاخوان الانستغرامي» أو «الليبرالية السنابية»، فهي مصطلحات نحن من يؤلفها ويتبناها..
ولو أننا نرى أن هذا يحدث الآن فعلاً لكن بدون مسميات محددة، في ظل ما نشاهده من مشاحنات وتغريدات نقف عليها لنجد فيها أبعد مما تحمله كلماتها المنمقة، فقد تحولت ساحة المعركة إلى تويتر، وأصبحت المبارزة باللايكات وعدد الريتويتات والمتابعين، والشاطر الذي يطعن بثقافة الآخر ويشكك في وطنيته، والمصيبة الأكبر عندما يشككون بخشيته من الله وعدم اتقاء عذابه.
هذه الحوارات لا تفي بمقاصد الحوار الفعلي ولا يمكن أن نسميها حوارات، فهي تهكمات ومشاتمات ومشاحنات، رغم أننا جميعاً قد رفضنا من قبل كيف يتصرف الإعلاميون العرب ..
فيما بينهم عبر شاشات التلفاز، وكيف يتشاتمون أمام جمهورهم والجمهور يصفق لهم ويدافع عنهم من بعدها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أليس ما نشاهده على تويتر ووسائل التواصل الاجتماعي من حرب المفكرين والكتاب شبيه بما فعله أولئك الإعلاميون، وربما في حالتنا اختصرنا عناء الظهور على شاشات التلفاز وانحصرت مشاحناتنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي الأكثر خطورة من الشاشات المتلفزة.
جولتي لن تتوقف رغم صمتي في معظم الأحيان، لأني أعرف قدر نفسي ولأنني محامٍ التزم الصمت ما دمت بدون توكيل، وحال توكيلي سأخرج الحجة والبرهان لأثبت براءة موكلي، وقضيتي اليوم تحتاج لاتساع صدر المحكمة لبيان قواعد لأدب الحوار التي تحفظ قدر الناس ومكانتهم، فموكلي اليوم هم أصدقائي وأحبتي وأبناء أمتي فلا أقبل أن يصدر حكماً على أحدهم وينسب إليهم مسميات جاهلة وتافهة..
لذا التمس من هيئة المحكمة ببراءة موكليّ من المسميات المنسوبة إليهم، فالمجتمع يعلم تاريخهم وأطروحاتهم التي ساعدت في نهضة البلاد، واكشفوا الستار عن المفضوح والخاوي من داخله، وجمدوا أصابعهم وامنعوهم من التهكم على الناس.