وتتوالى انتصارات المسلمين في الغرب، إذ لم تكد تمر أيام قليلة على انتخاب صادق خان، مرشح حزب العمال البريطاني، لتولي منصب رئيس بلدية العاصمة البريطانية لندن، كأول مسلم يتولى هذا المنصب، حتى جاءت الأخبار عن انتخاب موحتيريم آراس، النائبة عن حزب الخضر في برلمان ولاية «بادن فورتمبرغ» الألمانية بأغلبية كبيرة، لرئاسة برلمانها، كأول مسلمة تترأس برلمان هذه الولاية الصناعية الغنية.

فرحة عارمة غمرت أصحاب التيار الإسلامي المعادي للغرب، وبعض الذين ينساقون لمثل هذه الأفكار من البسطاء، معتقدين أن وصول بعض المهاجرين المسلمين إلى مناصب رفيعة، وتحقيقهم فوزاً في انتخابات بلدية أو برلمانية حرة في بعض دول الغرب، الذي يسمونه كافراً، إنما هو انتصار للإسلام، متناسين، أو غير مدركين، أن البيئة التي يعيش فيها الفائزون، هي التي أوصلتهم إلى هذه المناصب.

ومكنتهم من تحقيق هذه النجاحات، التي ربما ما كانوا ليحققوها لو لم يهاجروا من بلدانهم الأصلية، فصادق خان، واحد من ثمانية أبناء لمهاجرين باكستانيين، وصل أبواه إلى بريطانيا عام 1970، فعمل والده سائقاً لحافلة، بينما عملت أمه خياطة، وكانوا يقطنون في بيت صغير، يتكون من ثلاث غرف، وفرته لهم البلدية جنوبي العاصمة لندن.

وكان صادق يشارك أحد إخوته الذكور سريراً من طابقين، إلى أن غادر منزل العائلة في العشرين من عمره، ليكمل دراسته، ويتخرج في جامعة «نورث لندن» محامياً، ويتزوج من زميلته سعدية أحمد، التي كانت هي الأخرى ابنة سائق حافلة أيضاً.

أما موحتيريم آراس، فقد ولدت عام 1966 في إحدى قرى تركيا، وهاجر والداها إلى ألمانيا، حيث نشأت وتعلمت، لتصبح خبيرة مالية، قبل أن تصل إلى رئاسة برلمان ولاية «بادن فورتمبرغ»، التي لم يسبق أن ترأس برلمانها رجل أو امرأة بخلفية أجنبية.

الذين فرحوا وهللوا وكبروا لانتخاب صادق خان وموحتيريم آراس، واعتبروا فوزهما نصراً للإسلام والمسلمين، نسوا أو تناسوا أنهم يتحدثون من خلفية دينية طائفية بغيضة، وأنهم ينتمون إلى بلدان تسيل فيها الدماء تعصباً للدين أو المذهب أو الجماعة أو الطائفة أو العرق، وأن بلدانهم لديها مقاييس في اختيار المسؤولين وأصحاب المناصب، ليست مقتصرة على من بيدهم السلطة.

وإنما مترسخة داخل الشعوب نفسها، ليس من بينها الكفاءة، التي اختار على أساسها الناخبون البريطانيون عمدة عاصمتهم المسلم، ذا الأصول الباكستانية، ولا المؤهلات التي انتخب على أساسها أعضاء برلمان ولاية «بادن فورتمبرغ» الألمانية، رئيسة برلمان ولايتهم، المسلمة ذات الأصول التركية.

الذين فرحوا وهللوا وكبروا، هم أنفسهم الذين يقصون غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى، والمذاهب الأخرى، والطوائف الأخرى، والأعراق الأخرى، معتقدين أنهم أفضل البشر، وأنهم الوحيدون القادرون على تطبيق شرع الله على عباد الله في أرض الله.

عام 2011 بعد ثورة 25 يناير في مصر، قام المجلس العسكري الحاكم آنذاك، بحركة تغييرات في المحافظين، عين خلالها اللواء عماد شحادة ميخائيل، وهو مسيحي، كما يتضح من اسمه، محافظاً لـ «قنا» ذات الأغلبية المسلمة، والتي تقع في جنوبي مصر، فقامت الدنيا ولم تقعد، وقاد التيار السلفي والإخوان المسلمون وقتها، حركة الاحتجاج على هذا القرار.

فقاموا بالاحتشاد خارج مبنى المحافظة، ومنعوا الموظفين من الدخول إليها، وقطعوا الطرق الرئيسة داخل المدينة، والطرق التي تربط المحافظة بباقي المحافظات، وجلسوا فوق قضبان السكك الحديدية، ما أدى إلى توقف حركة القطارات على خط الصعيد الحيوي، وهددوا بقتل المحافظ الجديد إذا جاء لمباشرة أعمال وظيفته، ورفعوا لافتات طائفية.

ووقف أحد مشايخهم يخطب في المعتصمين قائلاً: «نحن نريد رجلاً مسلماً يستطيع أن يدخل بيوت الله، لأن المسلم طاهر، فالمحافظ المسلم، يستطيع أن يكون بيننا في صلاة العيد، وصلاة الجمعة...». واستمروا في حركة احتجاجهم حتى خضع المجلس العسكري لمطالبهم.

هؤلاء وأمثالهم، هم الذين فرحوا وهللوا وكبروا لفوز خان وآراس في بريطانيا وألمانيا، عاكسين هذه الازدواجية في المعايير والأحكام، فارضين مفاهيمهم الخاطئة على أتباعهم والمنخدعين لأفكارهم وآرائهم ونظرياتهم، غير مدركين أن البيئة التي نشأ وعاش فيها كل من صادق خان وموحتيريم آراس، هي التي أوصلتهما إلى النجاح الذي حققاه في الغرب.

إذ لو لم يهاجر أمان الله وسهرون خان من باكستان إلى بريطانيا، قبل وقت قصير من ولادة ابنهما صادق، فربما لم يستطع صادق أن يحصل على وظيفة صغيرة في قرية من قرى باكستان النائية، ولو لم يهاجر والدا «موحتيريم آراس» من قريتهما التركية إلى ألمانيا، فربما لم تستطع ابنتهما، التي أصبحت خبيرة مالية، أن تحصل على وظيفة بسيطة في فرع بنك قروي صغير.

 لذلك، فإننا، حين نقول إن «صادق خان» و«موحتيريم آراس»، نتاج مجتمعات تتيح الفرص، وتحترم الكفاءات، وتشجع الجادين، فإننا لا نبالغ، ولا نبتعد كثيراً عن الحقائق، مع الاعتراف بأن لهذه المجتمعات سلبياتها وعيوبها ونقائصها، مثلها مثل أي مجتمعات أخرى، لكن هذا لا يقلل من مناخ الديمقراطية الذي تعيشه، ولا مبدأ تكافؤ الفرص الذي تتيحه للجميع، وهما المناخ والمبدأ اللذان سهلا لخان وآراس الوصول إلى وصلا إليه من نجاح، يحاول البعض استثماره وتجييره لخلفياتهما الدينية.

الذين فرحوا وهللوا وكبروا لانتخاب صادق خان وموحتيريم آراس، واعتبروا فوزهما نصراً محققاً للإسلام والمسلمين، ربما لا يعرفون أن «صادق خان» يساري، وأن «موحتيريم آراس» تنتمي إلى الطائفة العلوية، وهنا، تسكت شهرزاد عن الكلام غير المباح.