تُعرف المصادفة بأنها كل واقعة حدثت خارج السياق القانوني والضروري للطبيعة والتاريخ والإنسان. وعليه فإن المصادفة غير قابلة للتوقع، بل قل هي واقعة حدثت ولا يمكن توقعها.
وبالتالي هي حدث غير قابل للتكرار. فالأحداث التي تتكرر هي الخاضعة لمبدأ الضرورة.
وإذا كانت المصادفات في الطبيعة محدودة، فإن المصادفات الاجتماعية والتاريخية لا حصر لها. ورب مصادفة واحدة قد قادت إلى تغيير مجرى التاريخ والفرد.
فظهور فرد ما في التاريخ حاكماً قد يغير مسار تاريخ البلاد والعباد سلباً أو إيجاباً، وفكرة ما قد يطرحها فرد وتلقى قبولاً وتصبح محركة للسلوك السياسي قادرة على تحويل الإرادات وفاعلياتها وهكذا.
ولا يأخذ الفاعلون في السياسة عادة بعين الاعتبار إلا ما هو متوقع، وفي الغالب هو محدود بالاحتمالات، أو بالممكنات، وهذا أمر طبيعي، إذ لا قِبل لأحد أن يتوقع المصادفة، وإلا لكفت عن أن تكون مصادفة.
غير أن المصادفة ليست حدثاً يتم بمعزل عن شروط تحققه، فكتابة أطفال درعا على الحيطان ضد الجماعة الحاكمة هو محض مصادفة، لكنها ما كان لها أن تقع لولا شروط القمع والقهر والكره للجماعة الحاكمة، وفي سياق ما حصل في تونس ومصر.
لقد أشعلت المصادفة هذه النار في السهل كله، وفجرت الديناميت السوري الذي تراكم عبر عقود من الزمن. فليست القشة هي التي قسمت ظهر البعير، بل الحمل الثقيل الذي حمله، وما القشة إلا المصادفة التي جعلت البعير يبرك أرضاً.
والمصادفات التي تغير من مسار التاريخ لا يمكن فهمها إلا في إطار التاريخ كله، فمصادفة وجود ستالين المزعجة، كما وصفها تروتسكي، لا تفهم إلا في إطار بنية البلشفية ذاتها وما استنته من طريقة حكم، ولنشر فقط إلى المصادفات التي تحدث تأثيراً ما في حركة التاريخ دون أن يكون هذا التأثير انقلاباً راديكالياً في مسار التاريخ المحلي والعالمي.
ومصادفة حرق العزيزي لنفسه والتي أشعلت ثورة أهل تونس إنما حدثت في ظل احتقان المجتمع التونسي عبر تحمله مشكلات الحاكم الفاسد والقمعي.
لب قولنا هو: إن المصادفات الاجتماعية والسياسية لا حصر لها وهي إذ تحدث فإن ذلك يتطلب من الفاعلين ثلاثة مواقف ضرورية:
فهم المصادفة بعد حدوثها ولماذا حدثت، فكل ظاهرة أو حدث أو واقعة إنما حدثت لأسباب وشروط لم نلتفت إليها. فدراسة الظاهرة بعد حدوثها أمر في غاية الأهمية، ثم دراسة النتائج المترتبة على حدوثها، ثم معالجة آثارها القريبة والبعيدة.
فحادثة سير لحافلة تحمل طلاب مدرسة على طريق غير معبدة تعبيداً جيداً وانقلابهت الذي أدى إلى مقتلهم، هو مصادفة توافرت شروطها الذاتية والموضوعية، لأنه ليس جميع الحافلات التي تسير على هذه الطريق تنقلب بالضرورة.
هب أن هذه الواقعة قد ألهبت أهل الأطفال ثم انتشر التعاطف معهم وقامت الدنيا ولم تقعد فعم الاحتجاج البلد كله. والسؤال هو لماذا تحولت واقعة حادثة سير ومقتل راكبين من الأطفال، حدثت مصادفة، إلى فعل سياسي وحالة غضب عامة؟ إن المصادفة هي العلة المباشرة فقط فيما العلل قابعة في قلب الواقع.
ودراسة النتائج التي تمخضت عن هذه المصادفة تحيلنا إلى نظرة كلية تتجاوز المصادفة، وبالعكس إذا لم نر إلا المصادفة وحدها فإننا نقع في ورطة الأخطاء.
وعندها لا يكون الحل في إصلاح الطريق، وإن كان إصلاحه أمراً ضرورياً، بل الحل أو الحلول في الإجابة عن السؤال ألا وهو: لماذا فعلت المُصادفة هذه فعلها على هذا النحو. وهذا ما يتطلب البحث والتنقيب والتحليل والتفكير منهجياً، إذا ما أريد لمصادفات مشابهة أن تفعل فعل ما سبقها من مصادفة.
أجل لا يمكن عزل مسار التاريخ عن المصادفات التاريخية، ولو أن التاريخ يجري بلا مصادفات لكان من السهل علينا أن نتوقع كل شيء.