إمّا أنا معه أو أنت ضده، أبيضه أو أسوده، خيره المطلق أو شرُّه الكامل، ويحتدم النقاش بين طرفي الجدل ويتشنج الرأي ويشتعل الضد..
ويتحوّل الجدَل إلى دراما إعلامية تلفزيونية دامية عتادها الصّراخ والتلويح بالأيدي وانتفاخ الأوداج والتأفف والتزمجر. برامج تلفزيونية على اختلاف مجالاتها، تحمل عناوين ساخنة مثل «نقطة حمراء» أو «نقطة مشتعلة» وأخرى «مولعَة» وغيرها «سعير الرأي والرأي الآخر»، فلا منطقة خضراء للالتقاء والحوار..
ولا مساحة وسطى بين خطي النار يتنفس فيها المتخاصمان ويتأمل الواحد منهم نقيضه ويحاوره كما يتحاور البشر العاديين. بعد التعريف بموضوع الحلقة «المثيرة»، يطرح مُقدم البرنامج الأنيق وبلغته المتعثرة طرحه الجدلي حول قضايا إشكالية وجريئة ويؤكد على أنه سينبش «تابوهات» المسكوت عنه، ويفرض عضلات فكيه ويبدو كحكم مشاغب ومستفز يتوسط ثيران متصارعة، فيسأل أحدهم:
أنت مع أو ضد المسألة، وينفث الضيف الثور غضبه وإيماءات تَحَجّره في رأيه وترقص حنجرته في عنقه ويؤكد أنه ضد المسألة بالمطلق، فيقاطعه الضيف المضاد، بنفس التحجّر، فالإجابة تهبط بتعبيرها المتصلب على قدر خبث السؤال وتعنت إجابة الطرف الآخر.
وتبدأ لعبة الصراخ والتجاوزات، وينقطع التواصل والحوار ويعلو صوت الثرثرة، وكلٌ «ينهق على برسيمه»، فلا يسمع المشاهد إلا جَعْجَعَة وتنطّحاً وتنطّعاً، ويتحول إلى جدل شخصي يحكمه التصلّب من الطرفين، وتُرمى بيوت الزجاج بالحجارة من كلا الطرفين..
ويفرح المذيع ويتحول إلى بهلوان يضيف نكهة الكوميديا السوداء على «الجدل الدّامي». فلم لا يكون بهلوانياً ما دام ذلك يُدرّ أرباحاً على إدارة الإنتاج التلفزيوني ويضمن شهرته ووظيفته بجذب عشرات الإعلانات مدفوعة الثمن وارتفاع نسبة المشاهَدَة للمستَهْلِكِين المستَهْلَكِين، ولو على حساب فقدان الحوار البنّاء وغيَاب الموضوعيّة في النقاش وتحقيق الهدف بالتوعية بمواضيع اجتماعية أو غيرها تكون هامة وحساسة ومُلحّة.
وخلف كل «مجادل» يحتشد الجمهور من الشباب والصبايا، ليروا تلك الأوداج والتعابير المتأججة المقابلة، وينهض أحد أفراد الجمهور معتبراً نفسه «سيد العارفين وحكيمهم» فيشارك بسهامه رافضاً ذلك الرأي أو ذاك، فله من الجدل ووطيسه نصيبه.
فلم لا، ما دام قد أخبره المخرج مسبقاً بأن مكافأته نظير مشاركته المشتعلة ستكون بأن يتم تسليط الضوء عليه مع كل العرفان والمودة لوالده صديق المنتج ذاته. أما باقي المدعوين من الجمهور القابعين في أماكنهم يفركون أنوفهم، ويفركون أماكنهم تتنازعهم نبرات الحنق والصراخ وهمهمات ما قبل الكلام، وكلهم ليس له لا في العير ولا النفير..
ولا حتى في البرسيم ولا في الشعير، فليس لديه بالموضوع المطروح أدنى معرفة أو اهتمام، فقد سِيق به طوعاً كالخروف دون أن يعلم لماذا وكيف. كل ما يعرفه أنه يجب عليه أن يُصفّق بقدر ما يستطيع بعد سماع إشارة التصفيقة الأولى من الطرف القصي الخفي المزروع في القاعة.
وهكذا تَتحول الحلقة الساخنة المفترض أن تكون حوارية حول موضوع هام وحساس، إلى حَلَبة صراع بين ديكة تتناقر وثيران تتناطح ومن حولهم الجمهور المتفرج يصفقون. وما يَعِيب الجمهور عن سواه في هذا النوع من البرامج الجدلية والجدالية أن الجمهور يصفّق لكلا المتبارزين، فيضيع الرأي العام للجمهور ويتحول إلى مجرد قطيع وأداة تقوم فقط على التصفيق الفارغ وبإيعاز من المصفق الأكبر بينهم.
ومن السخرية المبكية، أن مقدمي البرامج مع كل استراحة إعلان يؤكدون بثقة عودتهم لاستكمال «الحوار الهادف والموضوعي»، ويطلبون من المشاهدين في بيوتهم أن لا «يذهبوا بعيداً»، ليعرفوا الحقيقة الكاملة والمطلقة مع نهاية الحلقة. ولا مفر أمام أفراد العائلة إلا أن ينتظروا فقد استعر الجَدَل واحتدم وتورطوا بالمهزلة والإثارة، والكل مشتاق لأي ديك الغلبة ولأي ثور الفوز، ولأيّ منهما القرن الأعلى.
في الدقائق الأخيرة من الحلقة يستقبل البرنامج اتصالات خارجية، وقد أصابهم الغضب والانفعال ودخلوا دائرة الإثارة والشقاق عن بعد، وبدأوا حديثهم بالتهجّم على هذا الطرف أو ذاك..
ويبدأ سيل الشتائم الصريحة والمبطنة على الهواء مباشرة، ويقفل خط الهاتف دون استكمال الفكرة لانتهاء مدة الاتصال، ويوعز إبليس الجمهور القابع مخفياً في الزاوية بالتصفيق، فيتبعه الجمهور فلا نعرف لمن علا التصفيق، هل للمتصل أم للضيف المشارك أم للمذيع مقدم البرنامج، فالكل تحدث في نفس اللحظة ولم يفهم أحد شيئاً.
وهكذا يكون البرنامج الجدالي المثير والاستثاري المشين قد حقق هدفه الرخيص، إعلانات وأرباح بجدال أكثر وحوار أقل، وغاب الرأي والرأي الآخر بحضور المشاركين والجمهور والمتصلين الذي أصابتهم عدوى التوتر والتزمت وتاهوا عن جوهر الفكرة والموضوع ومبدأ الحوار، فالكل نهق على برسيمه ولو عبر الهاتف، وجميعهم عادوا خرافاً وثيراناً جائعة، ولا يرى أحدهم في الآخر هامشاً للصدق أو الصواب. وفي مثل هذه البرامج يترعرع فكر «جدل الثيران»، وعقلية الرفض المطلق للرأي الآخر، وقد يصل إلى الإقصاء والتكفير وهما صفتان تعمي العقل وتغلقه..
ولا تترك نافذة للحوار مع الآخر. إن ما يسمى بالبرامج الحوارية ذائعة الصيت لا تؤسس للحوار بقدر ما ترسخ لقطيعة الرأي الآخر ورفض احتمالية أن يكون في الرأي بعض صواب وإن كنا نراه خطأ، فكما قال الإمام الشافعي «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب»، فالهامش بين الرأيين يولّد التحاور، فليس هناك في أفعالنا أو آرائنا صواب مطلق ولا خطأ مطلق.
فكل شيء قابل للنقاش ما كنا نحترم رأي الآخرين. وإلا فالأسلم لنا أن نستعيض عن ذلك بمشاهدة برامج المصارعات الحرة المسلّيَة بكامل إثارتها العضلية، وبرياضة مصارعة الثيران، أو الملاكمة العنيفة الدامية، وحلبات نقر الديكة اللاتينية فهي أكثر صدقاً وواقعية وتسلية من تلك البرامج الموتورة بغباء الإثارة والربح الإعلاني الجشع والمسمومة بنشر ثقافة الإقصاء والتغييب والتعنت.