ونحن نحتفل اليوم بمرور خمس عشرة سنة على جائزة الصحافة العربية، قدمت هذه المنصة أفضل الأقلام العربية، واحتفت بالإبداع الصحفي، مبرزة أهمية الإعلام في ازدهار المجتمعات وتقدمها.
ولم يكن ليتسنى ذلك من دون الكثير من العمل والمثابرة والجهود التي وقف وراءها فريق الجائزة، فلا ريادة دون رؤى متكاملة تأخذ بأسباب التميز، ولا إنجاز دون جهد وعمل يُراكم التجارب والخبرات، يبني الحاضر وينشد المستقبل، يُبدع ويستمر ويتطور، ويتحرك نحو أهدافه ورؤيته بلا كلل، لا تعيقه المصاعب ولا تثنيه التحديات. هكذا كانت جائزة الصحافة العربية، وهذا ما أخذت به على عاتقها منذ إنشائها، وبزوغ فجر التأسيس مطلع الألفية.
بصفتي مديرة لهذا الصرح - وهذه الدورة هي الأخيرة لي في إدارتها - قد لا يسعفني التقييم، لأنها شهادة من أهلها، لكن تبقى الانطباعات الإيجابية والحصيلة التي تتحدث عن نفسها، من الخليج إلى المحيط، خير شاهد على تلك المسيرة، وكما يقال: الحقيقة كالشمس لا يُمكنُ حجبها.
جائزة الصحافة العربية، وخلال خمسة عشر ربيعاً زاهراً، شكلت منصة للعطاء والتميز، ومنارة للإعلام العربي، ارتقت بمضامينه ومحتواه، من خلال فرز أكثر الأعمال الصحفية مهنية وموضوعية، والاحتفاء بها، عبر فئاتها مختلفة المشارب والتخصصات، مقدمة محتوى عربياً ومادة إعلامية تنحاز لهموم الناس، تلمس تطلعات القارئ وترتقي بذائقته ووعيه، وهي أهداف تدخل في صميم رؤى الجائزة وفلسفتها ونهجها التطويري. وما تلك الرؤية إلا نتاج لدعم صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، ومبادراته الإبداعية لرفعة الوطن والأمة.
هذه الجائزة صنعت اليوم عناوين عريضة للصحافة العربية، أبرزت تمكن لغتنا وهويتنا وإبداعنا العربي واقتدارنا المعرفي، منطلقة من ثوابت حضارية، تشحذ الهمم، وتأخذ برواد الأقلام إلى مبتغاهم النبيل، ورعاة الكلمة الحرة إلى آفاق تليق بدورهم التنويري.
كما كرست مبادئ وقيم العمل الصحفي الرصين والجاد، عبر آليات تحكيمية، ارتقت بمحدداتها التنافسية، حيث استقطبت الجائزة خلال دوراتها الماضية عشرات الآلاف من المشاركات الصحفية النوعية من مختلف الأقطار العربية، وظلت هذه المشاركات في تصاعد، مؤشرها النزاهة والشفافية والحياد.
من منابت التميز انطلقت جائزة الصحافة العربية؛ هدية إلى العالم من الإمارات ومن دبي، ودعماً لرسالة الكلمة، وأضحت منصة عربية للتنافس الخلاق على درب الريادة، وظلت هذه الجائزة الطموحة ترسم لنفسها آفاقاً وتطلعات أوسع، هدفها الأول والأخير الوصول بالصحافة إلى أنقى صورها، ومجتمعاتنا العربية إلى التقدم المتوخى.
ونحن نطوي اليوم دورة من دورات الجائزة، ونفتح باباً آخر، نقرأ الفاتحة على روح أحد مؤسسي هذه المنصة العالمية، التي قطعت أشواطاً - وهي تحت رئاسته - نحو أهدافها. رحم الله خلفان الرومي، رئيس مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية، ووزير الإعلام الإماراتي الأسبق، الذي غيّبه الموت مؤخراً، وهو من اهتم بأدق تفاصيل الجائزة ورافق مسيرة نجاحها.
يغيب الناس، وتبقى الرسالة الأصيلة ثابتة، وتتغير الأشياء لكن الثوابت لا تحيد. هكذا يستمر العطاء والتميز، وهكذا يستمر المشعل مضيئاً مسؤولية وأمانة عظيمة على عواتق الأوفياء للكلمة، ومن يخطون بحبرهم مستقبل مجتمعاتهم وآمال الناس. من منبر جائزة الصحافة العربية انبثقت مواهبهم يصنعون المستقبل زادهم الصدق والمسؤولية.