ماذا سنجني من الوحدة العربية؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

عاشت الأجيال العربية في منتصف القرن الماضي وهي تحمل معها حلم الوحدة العربية من المحيط إلى الخليج، وظل هذا الحلم ليس مجرد شعار في خطاب السياسيين، بل كان جزءا من حياة الناس اليومية، وجزءا أساسيا من عقائد الأحزاب القومية، وشكلت عاملا مؤثرا في خطاب القادة والسياسيين ونشاطاتهم.

وقاد هذا الى العديد من المشاريع الوحدوية العربية الناجحة والفاشلة مثل مشاريع الوحدة العربية بين قطرين أو أكثر مثل وحدة مصر وسورية (الجمهورية العربية المتحدة) ووحدة العراق والأردن (الاتحاد الهاشمي) ووحدة مصر وليبيا وسورية (اتحاد الجمهوريات العربية المتحدة) والوحدة اليمنية ومجلس التعاون الخليجي وغيرها من المشاريع الكثيرة.

وكان الحديث عن الوحدة العربية يأخذ اتجاها ايجابيا باعتبارها مصدر القوة والمنعة للأمة العربية، والسبيل إلى تحرير فلسطين. ولكن مع مجموعة من الهزائم التي عاشها العرب في القرن الماضي، ومع ازدياد الهيمنة الأجنبية على السياسة العربية، ومع احتلال العراق وتضاؤل دور الجامعة العربية تعززت الروح القطرية لدى الدول العربية.

وأصبح الحديث عن الوحدة العربية حلما يتسم عند البعض بعدم الواقعية، ويتسم بالسخرية منه عند البعض الآخر، وذلك بعد أن تم استبدال ما نتوقعه من إنجازات قومية نتيجة تحقيق الوحدة العربية بإنجازات واقعية محلية على مستوى قطري.

فقد أنجزت بعض الأقطار العربية على أرض الواقع إنجازات تنموية رافقها تحقيق مكاسب لأبناء تلك الأقطار يحرصون فيها على بقاء تلك المكاسب في حدود أقطارها، متناسين ما كان يمكن أن تحققه الوحدة من المكاسب بتحقيقها ومتناسين حجم الخسائر التي تتحقق الآن نتيجة عدم تحقيق الوحدة العربية.

كان التعبير حينذاك عن فكرة الوحدة العربية يسوده دائماً الحديث عن فوائد الوحدة العربية، ماذا ستجني الأمة العربية من وحدتها؟ وهذا سؤال جوهري.

ولكن هل لنا أن نسير بالاتجاه الآخر بدلا من ذلك بالانتقال إلى النظر في الفائدة من الوحدة العربية من زاوية أخرى هي (ماذا نخسر لأن الوحدة العربية مفقودة). هل لنا أن نقوم بدراسة حجم الخسائر التي تحيق بالعرب نتيجة عدم وحدتهم في المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

هل يمكن أن نتخيل وجود جيش عربي موحد وما يمكن أن يحققه في ظل التحديات التي بتنا نواجهها الآن في ظل التمزق والتناحر والاقتتال في الوطن العربي، وفي ظل التحديات الخارجية الطامعة بالسيطرة على الوطن العربي ومقدراته؟

هل يمكن لhقتصادي عربي - مثلا - أن يمسك بورقة وقلم وآلة حاسبة وأن يقوم بإحصاء عدد الطائرات التي تمتلكها أساطيل شركات الطيران العربية، وأن يحصي عدد موظفيها وإداراتها وتكاليفها ويحسب الربح والخسارة التي تتحقق من أعمالها الآن..

ويحسب مقدار العائد الايجابي لو تم تنسيق رحلاتها. للمحافظة على الاستمرار في تقديم مستوى خدماتها ولتطوير خدماتها في ظل تنافس عالمي محموم على السوق؟ ولتقوم بتوفير خطوط قادرة للوصول إلى محطات عديدة تخدم الإنسان العربي بحيث لا يحتاج للوصول إلى المغرب أو تونس أو الجزائر للمرور عبر محطة أوروبية أو أكثر؟

هل يمكن للاقتصاديين العرب أن يحسبوا لنا الفارق في إجمالي تكلفة التشغيل وتكلفة الإدارة في مجالات عديدة مثل مشاريع المياه والكهرباء والغاز ومشاريع النقل البري والنقل البحري إلخ. كلها مشاريع تحمل معها تكلفة عالية نتيجة تنفيذها بشكل قطري، والمفقود نتيجة عدم وحدة أنشطتها كبير. فإلى متى سنتجاهل الوحدة العربية الضامن الوحيد لمستقبل الأمة العربية؟

 

طباعة Email