عندما تعتمد القيادة الرشيدة، الاستراتيجية الوطنية للقراءة، فإن ذلك يعني أن التعامل مع هذه القضية، انتقل من المجال الاحتفالي المرتبط بمناسبات معينة، إلى إطار الأمن الفكري والضرورة الحضارية، التي ترقى إلى المستوى الحتمي، باعتبار أنها تحدد مستقبل أمة، في عصر أصبحت المعرفة والقراءة وسيلتها هي البوابة التي يمكن من خلالها الولوج إليه..

ومن لا يدرك قيمة القراءة، باعتبارها ضرورة للتقدم، فهو يعيش خارج قوانين وسنن العصر. إن وضع الاستراتيجية الوطنية للقراءة، يعني أن المبادرات المتعلقة بها، لم تعد محل اختيار، من قام بها نال الثناء، ومن لم يقم فلا ضير، بل أصبحت سياسة دولة، يأطرها قانون، من تقاعس عن أدائها أصبح من المقصرين، وهل مستقبل الوطن وأبنائه يقبل التراخي أو التهاون.

وهو ما أكده صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد، من أن كافة استراتيجيات القراءة، هي سياسات لبناء أمة، وترسيخ شعب مثقف واعٍ متمكن متسامح، حيث نهدف لإعداد أجيال يحققون قفزات تنموية، ويضمنون تفوق دولتنا، وتعزيز تنافسيتنا، وتحقيق رؤيتنا المستقبلية لدولة الإمارات.

والحق أن وجود شعب واعٍ، لا يمكن أن يكون بعيداً عن القراءة، باعتبار الوعي إدراك الفرد لما يحيط به، والثقافة هي التي تؤدي إلى زيادة الوعي، والقراءة هي وسيلة الفرد للتثقف، وبالتالي، فإن القراء تعني الوعي.

لقد شرفت الأمة أن تكون أول آية تنزل على رسولها الكريم، هي آية «اقرأ»، ما يعني أنها مهمة أزلية، ونشاط أبدي، لا يختص بها سن أو جنس أو عرق، كما أنها الكلمة المعجزة في فتح آفاق رحبة، وكأن الله تعالى، بذلك، يوضح لنا أن القراءة هي المنطلق، وهي الطريق لبلوغ أسمى الغايات، للدرجة التي أصبحت تكليفاً ربانياً، وهو ما أردف به سبحانه بقوله «باسم ربك»..

وعندي أنها دلالة على الانتقاء في القراءة بما يبني ولا يهدم، يهدي ولا يضل، يعمر ولا يخرب، ينشر السلام ولا يشعل فتيل الحرب، ينشر التسامح ولا ينفث الضغينة والبغضاء، ما ينفع ولا يضر، ما يجعل الناس على وعي ببعضهم وقضاياهم، وأنهم شركاء في الإنسانية والحياة، ولا يجعل كل واحد أسير أطماعه وحبه لذاته، ما ينمي الفكر والانفتاح على الآخر وقبوله، لا ما ينشر التعصب للرأي والعداء للآخر، هنا، تكون القراءة بحق، باسم الله وبهدايته.

وعندما يؤكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، بقوله «إن أجيالنا الحالية تعاني من أزمة قراءة، وإننا لن نجامل أنفسنا عندما يتعلق الأمر بتطوير مستقبلنا»، فهو يشخص الداء الذي نعاني منه جميعاً، وهو أن الوتيرة المتسارعة للحياة، جعلتنا نهمل في حق أنفسنا وحق أبنائنا..

ولو أن الأمر توقف عند هذا الحد الشخصي، لكان هيناً، غير أن لذلك انعكاساته على الموظف في دائرته، والمهندس في شركته، والطبيب في مستشفاه، والمعلم يبحث عن المعلومة الصحيحة ليزود بها طلابه، وأستاذ جامعي لم يجد طلابه إجابات شافية على ما يظهر لهم من تساؤلات، هنا، لا يكون الحديث عن أفراد..

ولكن عن مستقبل وطن، فما يظنه البعض حالة فردية، فالحق أنها إن شاعت، أصبح الأمر يتعلق بمكتسبات وطن يجب الحفاظ عليها، وحاضر يجب الوعي به، ومستقبل من الحتمي التخطيط له.

لذا، كان قانون القراءة، والذي يهدف لضمان استدامة جميع الجهود الحكومية في هذا المجال، وعندما نتحدث عن قانون، فالواقع نحن ننتقل من مربع التطوع أو ميثاق أخلاقي، إلى التزام رسمي يأطره القانون، من يتهاون فيه، يقع في دائرة الإخلال بمهامه الوظيفية، وهو في تقديري من المحددات التي يجب وضعها في الاعتبار في سباق التميز الوظيفي..

كما يجب أن تكون المكتبة وقواعد البيانات المتاحة، من شروط الترخيص للمؤسسات الخاصة، كما يجب أن تكون المعلومات العامة التي تقيس مدى ثقافة الأفراد، من شروط الالتحاق بالوظيفة، مثلها مثل إجادته للغات، فلا شك أن ثقافة الفرد تنعكس على مستوى أدائه لعمله وجاهزيته الفكرية.

وهنا، لا يجب أن ننتظر من المؤسسات الحكومية، القيام بكافة الأدوار بعيداً عن الأسرة، والمؤسسات الخاصة، والمدارس، وكافة المعنيين بذا الشأن، ذلك أنها ستنتفع بنتائجها، كما أنها قضية وطنية، يجب أن تقوم بدورها الوطني في تحملها.

في تقديري، أن القراءة هي رياضة للعقل، لأن الفرد حينما يقرأ، يصبح متقد الذهن حياً، نشطاً، قادراً على البحث عن المعلومة والاستفادة منها. في حين أن من لا يقرأ، يصاب بالخمول والترهل، وعدم القدرة على الاستيعاب والتحليل. كما أن القراءة غذاء للروح، فكما أن العناية بالجسد، تتطلب القيام بأنشطة حركية تحافظ على حيويته..

فإن للروح كذلك غذاء، وغذاؤها هو المعلومة المفيدة، والجملة المعبرة، والعبارة الجزلة، والمشكلة التي تحتاج إلى فكر خارج الصندوق، هنا، يشعر الإنسان أنه حي بحق، وبدون ذلك، تصبح الحياة مفهوماً يغيب عن البعض حقيقته.