أود أن أبدأ حديثي بقاعدة كونية ثابتة «أنّ كل شيء يتغيّر وأنّ الثابت الوحيد في الحدوث هو التغيّر»، ومن سَبَر أحداث التاريخ منذ بدء الخليقة سينتهي لهذه الحقيقة مع إضافةٍ مهمة وهي أنّ وتيرة التغيّر تتسارع مع الوقت بشكل مرعب، فمن تكيّف مع ذلك التسارع حافظ على وجوده، ومن نام على أمجاد الماضي وتوقف عن الحركة أو تحرّك ولكن بوتيرةٍ أبطأ فاته القطار الذي لا يعود للخلف إطلاقاً!

يُرجّح عدد كبير من العلماء أن العصر الحجري استمر ملايين السنين وهو العهد الذي كانت فيه البشرية في قمّة بدائيتها، ثم تلاه العصر البرونزي الذي استمر 2000 سنة فقط، أما العصر التالي وهو الحديدي فلم يكمل الألف سنة، وهكذا كانت البشرية تسابق الزمن في سعيها لحياة أفضل.

ولئن كانت النقلات النوعية قد اعتمدت في القديم على تجارب «الصح والخطأ»، واكتشاف النار واختراع المحراث، فإنّ التعلّم والقراءة ساهما لاحقاً في إحداث قفزات هائلة في مسيرة المدنية وأضحت المعلومات أعظم أسلحة البشر وأوثق دعائم بناء المستقبل.

قبل فترة خرجت دراسة لجامعة كاليفورنيا بيركلي الشهيرة UC Berkeley قدّرت فيها حجم المعلومات المنتجة عام 2002 بخمسة «إيكسابايت»، وهو ما يُعادل 37 ألف نسخة إلكترونية من مكتبة الكونغرس الأميركية.

وقبل أن تستصغر الرقم لا بد من الإشارة إلى أن عدد الكتب في تلك المكتبة يزيد على 17 مليون كتاب، كل هذا الحجم الكبير من المعلومات كان قبل ثورة وسائل التواصل الاجتماعي كفيسبوك وتويتر ويوتيوب وأمثالها.

ثم قامت شركة هيولت باكيرد HP بدراسةٍ قدّرت فيها حجم المعلومات المتوقع إنتاجه عام 2020، أي بعد 4 سنوات، بقرابة 50 «زيتابايتس»، حيث الزيتابايتس يساوي 1000 «إيكسابايت»، بمقدورك هنا أن تُمسك بآلة حاسبة لتعرف هذا الحجم الهائل!

لماذا أذكر هذه الأمور؟ ببساطة: حتى نتيقن أنه لا بد علينا من التحرك بسرعة عالية و«متسارعة» للتوافق مع متغيرات العالم من علوم وتقنيات ونزعات، إن أردنا أن نبقى دوماً في السباق ضمن دول النخبة، كما تؤكد ذلك دوماً قيادتنا الرشيدة، وأحد أهم محركات السرعة تلك «القراءة» كعادة ثابتة لا كصرعة طارئة.

فمن دون شعبٍ نَهِم للتعلّم الدائم، ستعاني خطط الدولة كثيراً لعدم كفاءة القدرات البشرية للوفاء بحجم التحدي وعِظَم الطموح وكِبَر الأهداف المرسومة، وها نحن في الشهر الخامس من عام القراءة ورغم المبادرات الكثيرة للحكومة ومؤسسات الدولة.

إلا أنّ الملاحظ أنّ الناتج حتى الآن أقل من الطموح، هنا اللوم على الناس أنفسهم فما نحتاج إليه هو المبادرة الذاتية وليس انتظار «الدز» دائماً لكي نتحرك، وليس بِدَعاً من القول أن المواطنة الحقة تستلزم منّا جميعاً إنجاح هذا التوجّه والإحساس بـ«حُرقة» فعلية من أجل ترجمة رؤية القيادة في هذا الجانب إلى واقعٍ مُعاش.

إن القراءة ركيزة العلم وعليها تُراهن شعوب العالم المتحضر، وتلك التي تحاول الوصول لعالم النخبة، ففي آخر إحصائية لمنظمة الناشرين الدولية IPA قدّرت الإنفاق السنوي لشراء الكتب بمبلغ 114 مليار يورو تمثّل الستة الكبار (الولايات المتحدة، الصين، ألمانيا، اليابان، فرنسا، بريطانيا) نسبة 60% من ذلك الإنفاق، وبلغ صافي العوائد لبيع الكتب بالولايات المتحدة عام 2013 أكثر من 19 مليار يورو، وبقيمة سوقية تقارب 27 ملياراً.

وفي عام 2014 كانت الكتب الجديدة تجاوز 304 آلاف عنوان في السوق الأميركية فقط، بينما أعلى دولة عربية وهي مصر لم تصل عشرة آلاف كتاب في آخر إحصائية لها!

لا بأس هنا إن لم نكن ننتج حجماً مساوياً من المعرفة فنحن في مرحلة بناء القدرات، وذلك وضعٌ طبيعي للغاية، بل المهم حالياً أن تكون لدينا مؤسسات مختصة بترجمة المعارف العالمية الحديثة لرفد البلد بآخر ما توصل له العلم.

أقول المعارف والعلوم وليس ترجمة روايات لا تسمن ولا تغني من جوع أو كتباً ذات موضوعات ضبابية لا تعرف لماذا تُرجِمَت أصلاً، وقد تعلمنا في الإدارة أن 90% من نجاح أي مشروع تجاري يعتمد على جودة المنتج، وعليه فمن أجل أن نكون أهلاً لطموحات وطن المستقبل وأكفاء لتحديات الغد وتقلباته.

لا بد أن يصل الفرد منّا إلى درجة لا تقل إنْ لم تزد على قدرات ومعارف نظيره الأميركي أو الياباني أو الألماني لتضييق الهوة المعرفية Knowledge Gap، هنا أُعيد من جديد أن المسؤولية تقع على الفرد نفسه في المقام الأول وهو من يجب عليه أن يُبادر بالتعلم المتواصل كواجبٍ وطني قبل أن يكون تطويراً للذات.

كم أتمنى أن أرى قدوات المجتمع من كبار مسؤولين وأكاديميين وإعلاميين ورياضيين وفنانين، يسهمون فعلاً في بناء هذه العادات، لا بالمشاركة في الفعاليات والخُطَب ولكن بحمل كتاب بصفة دائمة وتصفحه في أماكن الجلوس العامة.

دعوني أقولها بصراحة: الكثير «يخجل» من حمل كتاب ولا أعرف لذلك سبباً، والبعض يبتسم وهو يمسك بطرف شيشة أو «يعمّر مدواخه» ويرمقك بنظرة، إن حملت كتاباً، لذلك سيكون للقدوات دورٌ كبير في رأب هذا الصدع الغريب بترسيخ و«تجميل» عادة القراءة في الأماكن العامة.

سيختتم غداً معرض أبوظبي الدولي للكتاب، وسيعود غالبية روّاده محملين بأكياس مليئة بالكتب والمراجع، كل ما نتمناه ألا يكون ذهاب الكتب للمنازل لكي تكون قطعة ديكور لا أكثر، وما نرجوه أكثر ألا ننسى القراءة بمجرد نهاية هذا العام.

نحن ننشد بناء عادات جديدة تترسخ لتصبح جزءاً من حياة الإنسان اليومية، وليس أمراً عارضاً تم لمسايرة المبادرة ثم تنتهي بنهايتها، فمطرٌ لمرةٍ واحدة لا يُخرِج حصاداً كما تقول حكمة الهنود الحمر، وليس مهماً كثيراً كيفية بدايتنا للسباق بل المهم كل الأهمية هو كيف ننهي هذا السباق.