أهم ما جرى في انتخابات ولاية نيويورك الأسبوع الماضي لم يكن اكتساح هيلاري كلينتون، ودونالد ترامب لمنافسيهما، فالأهم من ذلك كان قصة تجاهلتها أغلب وسائل الإعلام الأميركية، وهي الأعداد الضخمة من الناخبين، الذين غابوا أو تم تغييبهم عن عملية التصويت في الانتخابات التمهيدية بالولاية،

فعقب التصويت مباشرة، طالب بيل دي بلازيو، عمدة مدينة نيويورك، اللجنة المسؤولة عن العملية الانتخابية بالمدينة بتقديم «تفسير»، بعد أن تبين أن إحدى المقاطعات الكبرى التي تضم حي بروكلين الشهير قد انخفض فيها عدد أصوات الديمقراطيين المسجلين بنحو 127 ألف صوتاً انتخابياً.

وبعد أن أعرب الرجل عن دهشته، قال إنه يعلم أن سكان بروكلين ليسوا دائمين، إذ يتركها الآلاف بينما تأتيها آلاف أخرى. «ولكنني أشعر بالحيرة، إذ كيف يكون الرقم بالسالب بهذا الحجم الضخم رغم الأعداد الكبرى، التي أتت بالفعل للولاية»، لكن رد لجنة الانتخابات جاء ليطرح من الأسئلة أكثر مما يجيب، فاللجنة قالت إن 12 ألف صوت تركت المقاطعة، لتسكن خارجها (ما يعني حذفهم من الكشوف)، بينما نقلت اللجنة 44 ألف صوت من قائمة مخصصة للأصوات «غير النشطة»، لأن البريد الذي أرسل لهم عاد مرة أخرى دون أن يتسلمه أصحابه.

أما الأصوات الأخرى، أي السبعين ألف صوت المتبقية، فقد تم حذفها من قائمة الأصوات «غير النشطة»، لأنها لمواطنين لا يزالون يسكنون في بروكلين، ولكنهم لم يستخدموا حقهم في التصويت لمدة أربع سنوات، أي مرتين في انتخابات فيدرالية. وقد كانت مقاطعة كينج، التي تضم بروكلين هي واحدة من سبع مقاطعات في الولاية حدثت فيها تلك الوقائع نفسها، والتي أدت لأن يذهب أولئك الآلاف لمقار التصويت فيحرمون من الإدلاء بأصواتهم، لأن أسماءهم ليست بكشوف الناخبين!

لكن تلك ليست هي كل الأعداد التي حرمت من التصويت في الولاية، إذ يوجد آخرون لم يكن من حقهم التصويت لأسباب أخرى إجرائية، أو لأنهم وجدوا صعوبة شديدة في التصويت، فعلى عكس 37 من أصل خمسين ولاية، فإن ولاية نيويورك ليست من بين الولايات التي يوجد بها ما يعرف بالتصويت المبكر، فالانتخابات تجري في الولايات المتحدة عادة في أيام الثلاثاء، فلا تناسب الكثير من العاملين، وبالذات من الفقراء أو الذين يعملون لبعض الوقت، إذ لا يسمح لهم عادة بترك مواقعهم، أثناء فترة الدوام، لذلك فهم عادة يدلون بأصواتهم في الأسابيع السابقة على الانتخابات في أيام العطلة الأسبوعية. ومن هنا، فإن غياب الصويت المبكر يحرم الفقراء بالذات من التصويت.

ولا تعترف قوانين الولاية بالتسجيل للتصويت في نفس يوم الاقتراع، وإنما قبلها بأسبوعين، الأمر الذي حرم كل من لم يسجلوا أنفسهم للتصويت في اليوم المحدد، غير أن الأهم من ذلك كله هو أن ولاية نيويورك تتبع نظام «الأوليات المغلقة»، فالكثير من الولايات تسمح لأي ناخب بأن يدلي بصوته للحزب الذي يختار، في ما يعرف «بالأوليات المفتوحة». أما في نظام «الأوليات المغلقة»، فلا يسمح إلا للذين سجلوا أنفسهم كونهم ناخبين للحزب الديمقراطي بالتصويت لصالح مرشحي الحزب، والعكس صحيح بالنسبة للحزب الجمهوري.

وقد كان آخر موعد للتسجيل كونهم ناخبين للحزبين قد انتهى في أكتوبر الماضي. معني ذلك أن نسبة مرتفعة أخري، بالذات من الشباب والمستقلين، ممن لهم حق التصويت قد حرمت من الإدلاء بأصواتها، فالشباب، الذين بلغوا السن القانونية بعد أكتوبر الماضي لن يحق لهم التصويت، فضلاً عن المستقلين أو حتى الجمهوريين المعتدلين الذين يجدون في تطرف دونالد ترامب وتيد كروز، ما يجعلهم يفكرون في التصويت هذه المرة لاختيار المرشح الديمقراطي.

وكأن كل ذلك لم يكن كافياً، فقد واجهت آلاف أخرى آلات انتخابية لا تعمل، وطوابير طويلة امتدت لساعات، فضلاً عن بروز مشكلات عديدة ناتجة عن محدودية كفاءة الفرق المسئولة عن العملية الإجرائية. وقد أعلنت جهات حقوقية عدة رفع الأمر للقضاء، بهدف فتح تحقيق موسع في الولاية كلها لمعرفة عدد الذين حرموا من التصويت بالضبط. وكان حاكم ولاية نيويورك، الديمقراطي، قد طالب منذ شهور طويلة بإصلاح انتخابي لم يستجب له المجلس التشريعي للولاية، الذي يسيطر عليه الجمهوريون.

وتلك ليست المرة الأولى التي تحدث فيها مشكلات من هذا النوع في الانتخابات الأميركية، بل إن عدداً كبيراً من الولايات تضع قوانينها شروطاً أكثر صعوبة للتصويت في الانتخابات العامة، وفي فرز الكشوف الانتخابية.

وتلك هي القضية الرئيسة، فالولايات المتحدة دولة فيدرالية تتبع فيها العملية الانتخابية قوانين الولايات. والمجلس التشريعي في الولاية هو صاحب الحق في كتابة تلك القوانين. وقد سيطر الصراع الحزبي والأيديولوجي على تلك القضية حتى صرنا اليوم إزاء عملية انتخابية بهذا البؤس في أغنى دولة في العالم، وهو بؤس من المرجح أن يزداد سوءاً في الانتخابات العامة في الخريف.