الجدل المحتدم حول مآلات المنازعات الداخلية والبينية وعمليات الهدم والبناء، الآخذة بناصية كثير من الدول العربية (الشرق أوسطية)، لا ينبغي لها أن تشغلنا عن تشوف نصيب إسرائيل من هذا الغمار.

عطفاً على المشهد الإقليمي الصاخب، الذي تعيش إسرائيل في بؤرته، وتشتبك مع وحداته على نحو أو آخر، يصح، ولعله يجب التساؤل عن احتمالات وقوع الدولة الصهيونية في براثن تحولات بعينها، وما إن كانت بوارد التربص بما يدور بجوارها، سعياً لتحقيق مكتسبات، أو الإفلات من مخاطر؟.

من الفروض المحفزة لمثل هذه الاستفهامات، أن إسرائيل تقع في التحليل الأخير، ضمن مفردات خرائط سايكس بيكو، التي أنتجت كثيراً من الكيانات العربية المشرقية المنهكة راهناً.

لقد كان توليف هذه الدولة في قلب المحاور القارة في ضمير صناع هذه الخرائط، وهذا يسوغ التصور القائل إنها ربما لا تكون بمنأى عما يطرأ على محيطها من عوارض جوهرية.

تتجلى معقولية هذا الفهم، عند التأمل في مغزى تصريح بنيامين نتنياهو على الملأ، بشأن نية دولته في عدم التخلي عن الجولان، وسياق هذا الطرح المستفز، يوحي باستغلال رئيس الوزراء الإسرائيلي لهوجة الحديث المتداول همساً، حول احتمال تغيير الجغرافيا السياسية السورية، والتأكيد على اقتناص الجولان ضمن تفاصيل «الخريطة الجديدة»!..

لقد سبق لإسرائيل أن أعلنت عن ضم هذا الجزء من الأراضي التي احتلتها عام 1967، الأمر الذي لم يعترف به أحد من العرب والعجم، لكن ما يلفت النظر الآن، هو السياق الإقليمي، السوري بخاصة، المواكب لتجديد هذا الإعلان المتبجح، ورسالة نتنياهو أنه إذا كان ثمة تفكير لإعادة رسم الخريطة السورية، فإن على المعنيين التسليم بأن الجولان سيظل حتماً وجبراً في حوزة إسرائيل.

محنة دخول الدولة السورية في نفق يظن البعض قد ينتهى بها إلى التصدع والتفكك وإعادة الهيكلة والتشكل، أغرت إسرائيل بإمكانية استقطاع الجولان لنفسها، كأمر واقع وشرعنته.

في الوقت ذاته، لا يخفي قطاع واسع من نخب الفكر والصحافة والحكم والسياسة الإسرائيلية توقعاتهم، إزاء ما يعتبرونه فرصة لإنشاء شراكة مضمرة أو معلنة، مع ما يدعونه معسكر أهل السنة، في مواجهة أصحاب المذهب الشيعي، واستناداً إلى هذا التوقع، لا يكف الصهاينة عن الترويج لهذه الشراكة، وانتحال وتمرير بعض الشواهد على واقعيتها، وبث ما تيسر لهم من سبل الوقيعة وإشاعة الفتن بين عرب وعرب، وبين مسلمين ومسلمين.

في حمأة هذا التوجه، يغفل هؤلاء عن بعض دروس غزوة الفرنجة في القرون الوسطى، حين عرفت الرحاب المشرقية أنماطاً من التشظي والتنازع بين الدويلات المحلية المنمنمة، وهو ما انفض بعد حين، وانتهى إلى تحالف أبناء المشرق العربي الإسلامي، بملله ونحله وطوائفه ومذاهبه ضد الفرنجة، وصولاً إلى استئصالهم.

في غمرة الانتشاء بمعالم فشل دول سايكس بيكو العربية، واضمحلال هدف الوحدة بين هذه الدول، يغفل الصهاينة أنهم بدورهم يعانون من بعض مظاهر الفشل.

دولتهم القائمة، ليست تلك التي جالت بخواطر ومخططات آبائهم الأولين، لا جغرافياً ولا سكانياً، وهناك من الصهاينة والإسرائيليين، من يذهبون إلى أن هذه الدولة لا تنتمي إلى القيم التي توخاها المؤسسون، لا بالمعنى الديني ولا بالمعنى العلماني، وأنها «.. تنحدر سريعاً إلى مجرد جيتو، يستشعر سكانه التهديد وينعزلون عن عوالم الآخرين..».

من آيات معقولية هذه القناعة وصدقيتها، المحاولة الجارية على أشدها لإعلان إسرائيل دولة يهودية صرفة، فمن شأن خطوة كهذه، التأكيد على أننا إزاء جيتو يهودي، وقد أخذ شكل الدولة، وليس بعد ذلك سوى شحوب المواطنة الإسرائيلية، كهوية فوق دينية قيد التشكل جدلاً، لصالح بروز أكثر من درجة للمواطنة وللحقوق، وفقاً للمعيار الديني والمذهبي والعرقي، وعندئذ، ما الذي يحول دون إطلال الفتن والصدامات متعددة الأنماط بين أصحاب هذه الدرجات؟!.