متى يتحقق الحل ؟!

ت + ت - الحجم الطبيعي

ليس من السهل على المعارضة السورية العودة إلى طاولة المفاوضات في جنيف، إن بقي سلوك النظام الاسدي على حاله الراهنة، التي يمكن تلخيصها من خلال فكرة مركزية جوهرها: رفض الحل السياسي، والسعي لتحقيق حل عسكري بالقوة، يقيه الحلول الوسط والتنازلات التي ستضطره التسوية السياسية إلى تقديمها، ويمكنه بالتالي من تحاشي قيام نظام مختلط، أي انتقالي، يعلم أنه لن يكون غير خطوة نحو نظام بديل، لأن كتلة شعبية هائلة العدد من السوريات والسوريين ستدعم قيامه، بينما سيكون النظام اشد ضعفا بعد نهاية الصراع من أن يمنعه أو يكبح التوجه إليه، وبالنتيجة: سيعني الحل، مهما اتسم بتوسطات ومراحل انتقالية، الموافقة على نهاية النظام الحالي والسير نحو النظام البديل، الذي قامت الثورة من اجله ولم تتوقف يوما عن المطالبة به، وقاتله الأسد بكل ما لديه من قدرات ذاتية وعلاقات اقليمية ودولية، ومن غير المعقول أن يستسلم له سلما ان كان لم يوافق عليه حرباً.

لكن المعارضة لم تعلن انتهاء عملية جنيف، بل أعلنت تعليقها وحسب، مع إدراكها أن العودة إلى طاولة التفاوض ستتوقف من الآن فصاعداً على تغيير العقلية، التي تملي على النظام مواقفه وخياراته، وتلخصها فكرته حول رفض الحل السياسي وتفضيل الحل العسكري، بما أنه يضمر احتمال النجاة في حال ربح الحرب، بينما يعني الحل السياسي هلاكه، لأنه يتطلب التزامه بوثيقة جنيف واحد، وتطبيق القرارات الدولية التي تفسر بعض غوامضها، وأهمها تلك الفقرة التي تتحدث عن الهيئة الانتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة، وفسرها قرار دولي بأنها صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس وزرائه، التي يجب ان تنتقل إلى الهيئة، وتعتبر بمثابة حكم قطعي ينهي وجود الأسد على رأس الدولة، وينهي نظامه المرتبط به ارتباط حياة وموت.

رغم ما تقدم، لا تستطيع المعارضة السورية مقاطعة جنيف، وهي ستعاود الرحيل إلى العاصمة السويسرية وهي تعلم تمام العلم أنها لن تستطيع وحدها احداث الاختراق اللازم نحو حل سياسي يوقف المجازر المروعة التي ترتكب ضد السوريات والسوريين، وأنه سيكون بين أسباب فشلها بقاء الموقف الدولي على ما هو عليه من تهاون وتراخ حيال نظام تؤكد تصريحات قادته المتكررة أنه لا مصلحة إطلاقا له في تطبيق قرارات دولية يعني تطبيقها سقوطه والانتقال إلى بديله، وتعرضه، في هذه الحال، لهزيمة شاملة.

كما لن تستطيع المعارضة تحقيق حل سياسي، ما دامت مفتقرة إلى وسائل الضغط اللازمة لإجبار الطرف الرسمي على قبوله، ولأن الأمم المتحدة ومؤسساتها لا تمارس ضغطاً كهذا، لافتقارها إلى ما يكفي من استقلالية في مواجهة أعضائها الكبار المتجبرين، ولأن قواها ليست أصيلة بل مستعارة من هؤلاء، الذين لا يترددون في لي ذراعها، كلما تطلبت مصالحهم ذلك. بينما تتفرج أميركا على ما يجري وكأنه يتم في زمن وعصر آخر غير زماننا وعصرنا، وتنخرط روسيا في الحرب وكأنها تدور على مشارف الكرملين، بين الجيش الحر والجيش الروسي، وليس على بعد آلاف الكيلومترات عن بوتين وجيشه.

ولعله مما يعكس حقيقة الموقف الروسي أن شغلها لحل تفاوضي مع واشنطن يجهضه تدخلها العسكري المكثف على الأرض السورية، حيث تشن الحرب وكأنه لا يجوز ان يكون هناك سلام في أي يوم، وتفاوض في الوقت نفسه من اجل حل سلمي تغطي به حربا تبدو منتشية جدا بنتائجها، أي بقدرة ما تستخدمه فيها من اسلحة، وصفها الرئيس بوتين، ووجهه يطفح بالسعادة وبعلامات التحدي، بـ«الأفضل في العالم»، وهو يؤكد أنه كان على روسيا تجربتها ميدانيا في حرب، لأن ذلك، حسب قوله، «افضل من تجربتها في المناورات».

سيعود وفد المعارضة إلى جنيف، كما تقول دلائل كثيرة، وهو على أتم الاستعداد للانخراط في مفاوضات ناجحة تدوم أياماً قليلة وحسب، تطبق بعدها دون ألاعيب وسياسات التفافية، القرارات الدولية الكثيرة، الخاصة بتسوية الصراع الدائر في بلاده، فهل سيعود وفد النظام بالروح ذاتها؟. أم ان عودة وفد المعارضة لن تكون في المرة القادمة أيضا غير رحلة قصيرة إلى مدينة جنيف الجميلة، يعود أعضاؤه بعدها خائبين كل إلى مهجره، في حين يواصل النظام قتل السوريين دون عقاب أو حتى احتجاج ؟!.

طباعة Email