المسافة بين دولة الإمارات وغيرها من الدول، تحددها مجموعة من المظاهر التي يشعر بها من يجرب العيش في دولة الإمارات، أو يفد إليها زائراً، ويجرب العيش في بلد آخر، أو يزور بلداً في مشرق الأرض أو مغربها. ومن هذه المظاهر، إجراءات الدخول والخروج في المنافذ المختلفة، وإجراءات استخراج التأشيرات والإقامة، وغيرها من المعاملات التي يحتاجها المواطنون والمقيمون من الجهات الخدمية المختلفة، على اختلاف اختصاصاتها.
وأهم هذه المظاهر، تقليل عدد الواقفين في الطوابير لإنجاز المعاملات، والوصول بمساحة الوقت الذي يقضونه فيها إلى الحد الأدنى، ومحاولة القضاء على هذه الطوابير، كلما أمكن ذلك، وهو أمر يبدو مستحيلاً لدى البعض، خاصة أولئك الذين يعيشون في دول ذات أنظمة بيروقراطية، تتضخم فيها سلطة الموظفين، ويطغى عليها الجمود والروتين، وبطء التنفيذ والتمسك بحرفية القواعد، ما يؤدي إلى عرقلة شؤون المتعاملين، وتأخير إنجاز المعاملات، نتيجة كثرة الموظفين، والسلم الإداري الهرمي الذي ينظم عملهم.
لفت نظري قبل أيام، التصريح الذي أدلى به اللواء محمد أحمد المري مدير الإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب في دبي، حول الخدمات الذكية التي تقدمها الإدارة، والتي قلصت عدد المراجعين بنسبة تجاوزت 50 %، وتأكيده أنه في حال تعاون واستجابة المتعاملين، واستخدامهم للخدمات الذكية، فسوف يكون المبنى بلا مراجعين في نهاية هذا العام، وهو ما يؤكده تحقيق بعض الخدمات هدفها الأسمى «صفر مراجع» منذ وقت مبكر، موضحاً أن الخدمات الذكية هي خيار المتعاملين الأول.
وقد أعجبني تعبير «صفر مراجع»، الذي استخدمه اللواء المري في تصريحه، وهو ما يعتبره الكثيرون حلماً يستحيل تحقيقه في بلدانهم، ونراه نحن هنا في دولة الإمارات ممكناً، ذلك أن أقصى ما يحلمون به هو تقليل عدد الطوابير التي يقفون فيها، وتقليص عدد ساعات الوقوف في هذه الطوابير، واختصار عدد الأيام التي يستغرقها إنجاز معاملة من المعاملات في دائرة خدمية، والذي يمتد أحياناً إلى أسابيع، وربما يصل شهوراً، في حين أننا تجاوزنا هذا الهدف، وأصبحنا نتطلع إلى تحقيق «صفر مراجع».
هذه الصور أصبحت جزءاً من الماضي في دولة الإمارات، التي تتنافس جهاتها الخدمية على تحقيق التميز في تقديم خدماتها، كي تحجز لها مكاناً على منصات التكريم في حفلات توزيع جوائز التميز، الذي أصبح جزءاً من ثقافة العمل في دولة الإمارات، وليس ديكوراً مكملاً للوزارات الاتحادية والدوائر المحلية، التي أصبحت تتسابق لنيل هذه الجوائز، وأصبح التراجع عنها لافتاً للنظر، وهو ما دعا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، إلى القول خلال حفل توزيع جوائز برنامج دبي للأداء الحكومي المتميز في دورته الأخيرة، إن مسؤولين في جهات حكومية، أظهروا تراخياً خلال الدورة التاسعة عشر من الجائزة، لاعتقادهم أنهم تمكنوا من الوصول إلى القمة، ما دفعهم إلى التوقف عن المثابرة لتحقيق أفضل النتائج، مؤكداً سموه أن هذا اعتقاد خاطئ، وأن عليهم أن يعملوا جاهدين لتطبيق منظومة الجيل الرابع للتميز الحكومي المعمول به في الحكومة الاتحادية.
كنت قبل فترة في زيارة لدولة خليجية شقيقة، وقد أذهلني بطء إجراءات الدخول في مطارها، حيث استغرق مني أكثر من 45 دقيقة، رغم أنني كنت أقف في الطابور المخصص لمواطني دول مجلس التعاون الخليجي، ولم يكن أمامي سوى أربعة أفراد فقط.

وزاد استغرابي، عندما طلب موظف الجوازات، الذي كان في منتهى التهذيب، أن أضع أصابع يديّ على جهاز قراءة البصمات، ثم أخذ لي صورة بالكاميرا المثبتة فوق زجاج الكاونتر الذي يفصل بيني وبينه.
هذه الإجراءات لا أذكر أنني رأيتها في منافذ دولتنا، حتى قبل الطفرة الإدارية الأخيرة، التي انتقلت بنا إلى الحكومة الذكية خلال سنوات قليلة، وهو ما يذكّرنا بالفارق بين الجهات الحكومية في دولة الإمارات، والجهات الحكومية في غيرها من الدول، حيث لا يمكن أن تقف في منفذ من منافذ الدخول إلى الإمارات أكثر من دقائق معدودة، في ذروة ازدحام صالات الوصول والمغادرة بالمسافرين، وحيث أصبحت الحواجز التي تفصل بين الموظفين والمراجعين جزءاً من الماضي، وحيث أصبح الذهاب إلى وزارة أو دائرة حكومية لإنجاز معاملة، خياراً عاشراً، بفضل الخدمات الذكية.
ما رأيته في المطار، تكرر بشكل آخر عند وصولي إلى الفندق المصنف من فئة 5 نجوم، حيث استغرق تسليمي الغرفة المحجوزة سلفاً قبل أكثر من 15 يوماً، ثلاث ساعات تقريباً، وهو وقت يعتبر طويلاً، مهما كانت درجة إشغال الفندق وحركة الذين يصلون إليه ويغادرونه، خاصة أن الفنادق منشآت سياحية، يُفتَرض أنها لا تخضع للروتين الذي تخضع له المؤسسات الحكومية عادة.
لذلك، فإننا حين نقول إن المسافة التي تفصل بين دولة الإمارات وغيرها من الدول، تقاس بسهولة الإجراءات وسرعتها، فنحن لا نبتعد عن الحقيقة، وحين يقول اللواء محمد المري، إن هدف الإدارة العامة للإقامة وشؤون الأجانب في دبي، هو الوصول إلى درجة «صفر مراجع» بنهاية العام الجاري، فهو إنما يعبر عن فكر إداري متقدم، تنتهجه حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، لتقدم للعالم نموذجاً للدولة العصرية الحديثة، ليس في الفكر السياسي والاقتصادي فقط، وإنما في الفكر الإداري أيضاً.
وهو ما جعل دولة الإمارات تتصدر قوائم الدول الأكثر سعادة، وتنافس على المراكز الأولى دائماً، الأمر الذي يفرض عليها المحافظة على موقعها هذا، لأن المحافظة على القمة أصعب من الوصول إليها.