أصبح العراق بحق بلد الأزمات بسبب غياب الحلول، فالأسلوب المتبع لمقاربتها هو الترحيل لتتراكم مع من سبقتها، حتى أصبح العراق بكامله على وشك الانفجار تحت ثقل هذه الأزمات

، فوسائل الإعلام تنقل ما يتردد في الأوساط الجماهيرية الهائجة من مصطلحات: «الإصلاح»، «التغيير»، «الثورة». المطالبة بإصلاح الواقع العراقي ليست جديدة، فقد كانت على أجندة بعض الأحزاب منذ الأيام الأولى لسقوط النظام السابق غير أن زخمها مر بفترات من المد والجزر. إلا أنها بدأت تتخذ طابعاً جديداً ذا مسحة سياسية حين تناغمت مع الدعوات للتحول نحو دولة مدنية.

فمنذ ما يقرب من ثمانية شهور بدأت العاصمة بغداد تشهد تظاهرات أسبوعية أيام الجمعة، تعاظمت حين انضم إليها التيار الصدري أخيراً، ووظف ثقله الجماهيري لجعلها أداة ضغط كبيرة على المسؤولين، بعد أن حولها إلى اعتصام أمام بوابة المنطقة الخضراء لخص مطالبه بحكومة تكنوقراط وفق جدول زمني من خارج الكتل السياسية وهو ما وافق عليه رئيس الوزراء العبادي.

إلا أن الكتل السياسية التي بدأت تلمس أن قبضتها على العملية السياسية قد بدأت بالتراخي سارعت بالعمل على إفشال المشروع وإفراغه من محتواه فأصدر عدد من قادتها مع الرئاسات الثلاث ما أسمي «وثيقة الإصلاح الوطني» مرشحين كابينة وزارية على أسس المحاصصة نفسه.

جاءت هذه الوثيقة بعكس ما أريد منها، فقد فجرت الوضع بطريقة غير متوقعة إذ لم يأتي الرفض المباشر لها من الشارع بعد أن رُفع الاعتصام فيه من قبل قياداته بصورة متعجلة وغير مسؤولة بل جاء من جهة أخرى، حيث قرر عدد من أعضاء مجلس النواب اقتناص الفرصة والقيام باعتصام داخل المجلس أعلنوا فيه رفضهم لمبدأ المحاصصة وتحولوا بين ليلة وضحاها من جماعة يستهدفها المتظاهرون إلى جماعة يشيد هؤلاء المتظاهرون بإخلاصها ووطنيتها.

أعرب هؤلاء المعتصمون عن عزمهم إسقاط الرئاسات الثلاث وقد تمكنوا فعلاً من خلال جلسة عقدوها برئاسة عدنان الجنابي اتخاذ قرارات بإقالة هيئة رئاسة المجلس النيابي بحصولهم على أغلبية تبين فيما بعد أنها أغلبية غير مريحة لأنهم لم يتمكنوا من عقد جلسة ثانية لانتخاب مجلس رئاسي جديد، فقد تسلل بعضهم خارجاً من المجلس. والحقيقة أن رئيس الوزراء العبادي كان المستهدف، ولكن النواب المعتصمون وجدوا في الجبوري عقبة أمام تحقيق غرضهم فأقالوه مع نائبيه.

في ظل هذا الوضع المتعثر شهد العراق أسبوعاً ساخناً وحراكاً دؤوباً لرئيس الجمهورية وبالتشاور مع الكتل السياسية تقدم بمبادرة وخارطة طريق استناداً إلى صلاحياته الدستورية وفق المادة 58 من الدستور بالدعوة لعقد جلسة استثنائية لمجلس النواب في التاسع عشر من أبريل الجاري برئاسة أحد النواب المحايدين يُسمح فيها لرئيس المجلس المقال أن يلقي كلمة يبدي فيها رأيه في الأزمة ثم يصار إلى التصويت على إقالته ونائبيه.

وقد عقدت الجلسة بناءً على ذلك وحين اعتلى عدنان الجنابي منصة الرئاسة خرج من الجلسة نواب اتحاد القوى والتحالف الكردستاني والفضيلة وبدر وكتلة المواطن احتجاجاً على خرق ما تم الاتفاق عليه ليعلن الجنابي بعد بضع دقائق عن فتح باب الترشيح لمجلس الرئاسة ويرفع الجلسة إلى يوم الخميس بعد أن فشل المعتصمون للمرة الثانية من الحصول على النصاب القانوني لعقدها في حين أصدر الرئيس المقال سليم الجبوري بياناً ذكر فيه عدم قانونية الجلسة لعدم اكتمال النصاب ..

وأعلن تعليق أعمال المجلس حتى إشعار آخر. يأتي هذا الانقسام في مجلس النواب كامتداد للنهج المتعثر ونتيجة طبيعية لفشل التوافق، وهو انقسام خطير لا يبشر بانفراج الأزمة بوقت قريب خاصة بعد أن أطيح بمبادرة رئيس الجمهورية التي من الصعب الاتفاق على بديل غيرها. من جانب آخر من الصعب تصور أن الطريق سيكون سالكاً أمام المعتصمين لتمرير إرادتهم، سيما أنه تجمع غير متجانس وقابل للتفكك من جهة، ويفتقر إلى الدعم والإسناد إقليمياً ودولياً من جهة أخرى، فالاعتصام وما تمخض عنه لم يحظ بتعاطف من لدن الولايات المتحدة أو لدن بعثة الأمم المتحدة.

الطريق الوحيد لانتشال العراق من الغرق في الفوضى هو حكومة إنقاذ وطني، وخلاف ذلك سيكون لمن يمتلك مفاتيح القوة على الأرض فرصة السيطرة وفرض نفسه. لذلك قد يجد رئيس الجمهورية نفسه في مواجهة الخيار الأخير وهو حل البرلمان، وذلك وفق المادة 64 من الدستور التي تنص على «يحل مجلس النواب بناءً على الأغلبية المطلقة لأعضائه بناءً على طلب ثلث الأعضاء أو طلب رئيس مجلس الوزراء وبموافقة رئيس الجمهورية، ولا يجوز حل المجلس أثناء فترة استجواب رئيس الوزراء».

ولكن ذلك يعتبر خياراً صعباً جداً إذ يلزم في حالة الأخذ به أن يصار إلى الدعوة لإجراء انتخابات جديدة خلال ستين يوماً في ظروف غير ملائمة، حيث تخطى عدد المهجرين ثلاثة ملايين وأربعمائة ألف وفق آخر ما صدر عن منظمة الهجرة الدولية ولا تزال مساحات واسعة من الأراضي العراقية تحت سيطرة داعش هذا إضافة إلى أن أوضاع العراق الاقتصادية لا تمكنه من مواجهة الكلفة المالية لذلك.