ليست الأوهام، في نهاية الأمر، إلا تصورات في الذهن لن تجد تحققها في الواقع. تصورات يقوم الذهن بصياغتها من آمال مستحيلة وأحلام يقظة رغبوية.

ومن النادر أن تجد شخصاً لم يمر في حياته بحالة وهم ما، ولكن من حسن حظ الإنسان أنه، وفي الغالب، سرعان ما يكتشف وهمه ويبرأ منه، بعد مواجهة الواقع على نحو حقيقي وعقلاني. أما الإنسان الذي ليس بمقدوره التخلص من أوهامه فإنه سيعيش حالة من الإحباط تودي به إلى الانتحار.

ليس هناك خطر عام من معاناة فرد عادي ما من الوهم. فخطر وهم الفرد العادي محصور بذاته، لكن يصير الوهم خطراً إذا تحول إلى وهم جماعة سياسية كبرت أو صغرت، ويتحول إلى خطر مدمر إذا كان الوهم وهم دولة.

فالجماعة السياسية الواهمة ذات السلوك السلمي، ومهما طال بها زمن الوهم، لابد وأن تتغير أو تزول. فالحزب الشيوعي في فلسطين مثلاً، ولم يعد يتحدث عن وهم وحدة العمال في العالم «يا عمال العالم اتحدوا» ولا عن بناء الشيوعية، وغير اسمه إلى حزب «الشعب»، وأصبح حزباً سياسياً ذا أجندة طبيعية.

والجماعة الإسلامية في مصر انتقلت من حركة عنفية يقضي قادتها أحكاماً في السجن إلى حركة سلمية ذات أوهام سلمية.

وأوهام الجماعات الأصولية المسلحة كأوهام حزب الله وأنصار الله والقاعدة وداعش سيأتي زمن عليها وتصبح في خبر كان بعد أن تكون قد خلفت وراءها كثيراً من الكوارث الإنسانية.

ومع ذلك يظل خطر جماعات الوهم هذه أقل من خطر دولة الأوهام كالدولة الإيرانية بسلطتها الراهنة.

فأوهام الدول، وبخاصة تلك التي تمتلك حظاً من الثروة والقوة، لا تقف عند حدود مجتمعاتها فقط بل وتتعدى أوهامها حدودها إلى دول أخرى ومجتمعات أخرى.

تتكون أوهام الدولة الإيرانية من عدة تصورات غير واقعية ولا عقلية. فهي تعتقد، أولاً، بأن العرب مجال حيوي لنفوذها ولنشر أيديولوجيتها الدينية، في الوقت الذي لا ثقافة العرب الدينية ولا ثقافتهم الدنيوية تسمح بذلك أبداً.

وهي تظن، ثانياً، بأنها قادرة عبر جماعات داخلية مسلحة تدين بالولاء لها أن تحدث تغيراً في مجتمعاتنا العربية، وتصدير ثورتها المزعومة. وتنسى أن ما من حركات صغيرة تدين بالولاء لدول أخرى بقادرة على أن تحقق أجندات خارجية تطال المجتمع كله.

وتتخيل إيران، ثالثاً، بأنها عبر تطوير ترسانتها العسكرية وبرامجها النووية بمقدورها أن تفرض سيطرتها على مجالها الإقليمي، وتشكل دولة رعب لجيرانها العرب. متناسية بأن أحداً في هذا العالم المعاصر لا يستطيع احتكار القوة لوحده.

وتتصور إيران بأنها يمكن أن تقود العالم الإسلامي بوصفها جمهورية إسلامية ودولة دينية ودون أن تحتل أية مكانة في الوجدان الإسلامي، متجاهلة قوة حضور مكة والقاهرة وبلدان أخرى في الوجدان الإسلامي.

لا شك أن هذه الأوهام وغيرها قد ينتج عنها خراب واضطراب وزعزعة للأمن وللاستقرار، لكنها لن تعدو أن تكون إلا جعجعة لتاريخ زائف.

فها هي أوهامها بامتلاك السلاح النووي قد تبخرت، كما تبخرت أوهامها في اليمن، وشعب العراق الآن استفاق على كارثة الطائفية المقيتة التي غذتها قم والحرس الثوري الإيراني، والشعب السوري لا يمكن أن يكون في يوم من الأيام تحت آيات إيران وحارسها الثوري، وحزب الله دخل دائرة المنظمات الإرهابية ولن يخرج منها أبداً، والمؤتمر الإسلامي يلفظ طهران بوصفها دولة تدعم الإرهاب، بل وإن جزءاً كبيراً من الشعب الإيراني بات على قناعة مطلقة بعقم أوهام الدولة هذه، وراح يتساءل من أحق بالثروة، تلك التنظيمات الطائفية المسلحة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، أم الشعب الإيراني الذي مازال عدد كبير منه يعيش الفقر وما تحت حد الفقر.

والحق أن إيران هي دولة مارقة بامتياز، بل كل دولة توجهها أوهامها في علاقة عدوانية مع عالمها المحيط هي دولة مارقة.