لا تزال انتخابات الرئاسة الأميركية تحمل بعض المفاجآت، وهى كانت هذه المرة مفاجأة تخص القضية الفلسطينية، فلعلها المرة الأولى منذ عقدين على الأقل التي أسمع فيها مرشحاً معتبراً للرئاسة، خصوصاً في المرحلة التمهيدية، يقول كلمة انتقاد واحدة لإسرائيل في إحدى المناظرات التلفزيونية.

كان ذلك في المناظرة الأخيرة التي جرت بين المرشحين الديمقراطيين هيلاري كلينتون، وبرني ساندرز.

والمفاجأة لم تكن فقط في انتقاد إسرائيل من أحد المرشحين المعتبرين، وإنما كانت أيضاً في أن تجرى الواقعة في ولاية نيويورك المهمة انتخابياً، التي يتمتع فيها اليهود الأميركيون بكتلة تصويتية كبيرة بإمكانها التأثير على النتيجة خصوصاً في الحزب الديمقراطي.

ولم تكن تلك هي كل المفاجآت، إذ استغرق التراشق الحاد بين المرشحين بخصوص الموضوع ست دقائق كاملة، فقد وجه برني ساندرز انتقادات لإسرائيل بخصوص تعاملها مع الفلسطينيين، كما وجه انتقادات حادة لمنافسته هيلاري كلينتون كانت في مضمونها تتهمها بأنها تتبنى مواقف الليكود الإسرائيلي ومنظمة «إيباك»، الداعم الرئيس لنتانياهو في واشنطن، فقد أكد برني ساندرز أن الهجوم الإسرائيلي على غزة منذ سنوات «استخدم القوة العسكرية المفرطة»، نتج عنه «إصابة نحو 10 آلاف ومقتل ما يقرب من 1500 من المدنيين».

وهو أشار إلى أن البطالة في غزة «وصلت الآن إلى نحو 40%، والكثير من مناطقها (يقصد غزة) قد تم تدميرها، ولم يتم بناؤها. المساكن تم تدميرها. الرعاية الصحية تم تدميرها. المدارس تم تدميرها».

وأضاف ساندرز أنه حين يقول، إن على الولايات المتحدة أن تساعد الفلسطينيين، فإن هذا «لا يجعلني معادياً لإسرائيل».

وقد جاءت تلك العبارات رداً على سؤال كان واضحاً فيه من الإجابة أن ساندرز لا يزال متمسكاً بما قاله في ما سبق، فقد تعرض الرجل لانتقادات حادة في أميركا وإسرائيل لأنه استخدم تعبير«القوة المفرطة» في حوار قبل أسابيع.

ورغم أن ساندرز في ذلك الحوار السابق كان قد خلط بين عدد القتلى الفلسطينيين في غزة، وعدد الجرحى منهم، إلا أنه كان في الحوار نفسه قد قال صراحة إنه لا يتذكر الرقم الفعلي، لكن التراشق حول القضية وجد طريقه للمناظرة حين استخدمت هيلاري كلينتون، فى ردها على ساندرز، الخطاب نفسه الذي يستخدمه نتانياهو حول «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، إذ اتهمها ساندرز فوراً بأنها تتهرب من الإجابة عن السؤال حول ما إذا كانت إسرائيل قد استخدمت «القوة المفرطة» في غزة، ثم حين استمرت في استخدام الخطاب نفسه، كان من بين ما ذكره ساندرز في الرد عليها أنه قرأ خطابها الذي ألقته في مؤتمر إيباك، ولم يجد فيه على الإطلاق أية مناقشة لاحتياجات الشعب الفلسطينى، لكن لعل أهم اتهام وجهه ساندرز في تلك المناظرة لهيلاري كلينتون كان أنه «إذا كنا ننشد العدل والسلام، سيأتي عليك الوقت الذي تجد فيه أن عليك أن تقول إن نتانياهو ليس دوماً على حق»، فتلك العبارة هي التي جعلت هيلاري كلينتون تبدو في موقف دفاعي للمرة الأولى، فالتعبير له دلالة خاصة، لأنه مستقى من الشعار الفاشي «موسوليني دوماً على حق».

ولعل هذا هو السبب الذي جعل هيلاري كلينتون تتخذ موقفاً دفاعياً وتتحدث للمرة الأولى خلال الدقائق التي استغرقها التراشق عن أنها تحدثت، وكتبت مراراً عن «حوارات صريحة» جرت بينها وبين نتانياهو، وأضافت «لا أحد يقول إن أي زعيم يكون دوماً على حق».

ورغم أن الحديث عن حقوق الفلسطينيين كان مهماً، فلا بد من وضعه في حجمه الحقيقي، دون زيادة أو نقصان، فمن المهم القول، إن ما أتى ذكره في المناظرة لم يكن عن «الدولة الفلسطينية» وإنما كان عن استخدام القوة المفرطة من جانب إسرائيل، وهو فارق مهم لا بد من أخذه في الاعتبار، لكن يظل ما جرى في المناظرة مهماً، فالطريقة التي تم بها انتقاد إسرائيل تمثل تحولاً، بغض النظر عن فوز ساندرز أو هزيمته، فالانتقاد جرى خلال مناظرة تلفزيونية عامة، وهو ما يعنى مجموعة أمور على جانب كبير من الأهمية، أولها أن ما حدث يمثل اختلافاً نوعياً في طبيعة الخطاب المستخدم على أعلى المستويات في واشنطن، أي المنافسة على الرئاسة، فلأعوام طويلة وبشكل متزايد، ظل أي انتقاد لإسرائيل يمثل انتحاراً سياسياً للسياسيين.

وهو ما يعنى، ثانياً، أنه قد حدث تغير في موقف الرأي العام الأميركي من الجرائم الإسرائيلية، فلولا مثل ذلك التحول لما كان ممكناً أن يقول مرشح للرئاسة ما قاله ساندرز مهما كان تقدمياً. والتغيير، أي تغيير، في الولايات المتحدة بطبيعته تراكمي وبطيء، لكنه يحدث من خلال أمور تبدأ عادة صغيرة، مثل ذلك التحول في الخطاب السياسي الذي كانت، ولا تزال له أصداء واسعة في الولايات المتحدة.