حالة من الجدل المتكرر تعيشها الولايات المتحدة حول نظامها السياسي وكيفية تجديده وبعث الحيوية فيه من جديد منذ ثلاثين عاماً على وجه التقريب، ومن الطبيعي أن تزداد حالة الجدل تلك مع كل موسم انتخابي، ولكن هذه المرة تحول الجدال المجتمعي أو السياسي والحزبي إلى ممارسات ميدانية في المدن والشوارع تمثلت في سلسلة من المظاهرات الصاخبة مصحوبة بدعوات للعصيان المدني في المرحلة المقبلة تحت عنوان عريض لمنظمة جديدة أسمها «ربيع الديمقراطية» التي تذكرنا بحركة «احتلوا وول ستريت.. احتلوا واشنطن.. احتلوا لوس انجلوس.. الخ»، التي ولدت من رحم «الربيع العربي»، فهل حقاً اقترب للولايات المتحدة ربيعها الديمقراطي المنشود؟!
قد يكون هذا التساؤل في حد ذاته موضعاً للسخرية والدهشة معاً، فكيف يمكن الحديث عن ربيع ديمقراطي لطاووس الديمقراطية في العالم أو على أقل تقدير لمن يعتبرونها كذلك؟ الواقع أن المتابعة الدقيقة للحوار المتكرر عبر عشرات السنين الماضية حول حتمية تجديد النظام السياسي الأميركي وحقيقة الديمقراطية القائمة فيها يمكن أن تبدد الكثير من عوامل الدهشة والسخرية، فأصحاب هذه الدعاوى يعتبرون من حيث الشكل أن النظام السياسي الأميركي قد أصيب بحالة من الجمود وعدم القدرة على تجديد دمائه مما قد يدفعه نحو شيخوخة مؤكدة، وسبب ذلك في المقام الأول من وجهة نظرهم اقتصار الممارسة الحزبية والسياسية في الولايات المتحدة ربما منذ نشوئها علي حزبين فقط؛ الديمقراطي والجمهوري مما حال دون ظهور أحزاب أو كتل سياسية جديدة.
وتكمن أهمية هذه الدعاوى في أن الفوارق الجوهرية في الأفكار والإيديولوجيات بين الحزبين قد تلاشت على وجه التقريب إلا من قضايا مجتمعية محدودة لدرجة أنه بات من السهل وصفها بأنها أحزاب برامج وليست أحزاب مبادئ، ويزيد من خطورة الظاهرة التصدي لأي محاولات جادة للخروج على هذه النمطية السياسية، بالتأكيد ليس من خلال وسائل عنيفة أو قمعية ولكن بحكم هيمنة مؤسسات ونظم تمثل في حد ذاتها قوة قاهرة إلى حد التوحش تحول دون الخروج على النظام القائم، وهذه المؤسسات المهيمنة هي في حد ذاتها تعبير عن تكتلات المصالح المرتبطة بهيمنة القوى الرأسمالية منذ سنين عدة وحتى اليوم وتلعب دوراً جوهرياً ومهيمناً على عملية صنع القرار.

ومن الناحية الشكلية أيضاً باتت هناك انتقادات متواصلة للعملية الانتخابية ذاتها ولآليات إفراز القيادات الحاكمة في مختلف مؤسسات الدولة، وبالتالي تزايدت المطالب بحتمية تغيير الآليات الحالية على أساس أنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمجموعات المصالح التي سبق الإشارة إليها وباتت عملية صنع القرار في واشنطن بالتالي أسيرة لهيمنة رأس المال بما يجعل العملية الديمقراطية برمتها – رغم وجود مؤسسات راسخة - في مهب الريح.
ومن هذا المنطلق لم يكن غريباً أن يرفع المتظاهرون أمام الكونغرس في الأسبوع الماضي دمية على هيئة «خيال مآتة» تحمل أكياساً من المال لترمز إلي جماعات الضغط الممثلة للشركات مع لافتة من جانبهم كتب عليها «تحذير: الخطوة القادمة ستكون عصياناً مدنياً واسعاً». وكان رد الفعل العاجل من جانب شرطة الكونغرس القبض على المئات منهم واتهامهم بالتظاهر غير القانوني والتجمهر وعرقلة حركة المرور!
إلا أن منظمة «ربيع الديمقراطية» التي أطلقت الحملة أكدت أن الاحتجاج يهدف إلى «مطالبة الكونغرس باتخاذ إجراء فوري لإنهاء الفساد المتمثل في هيمنة المال على الحياة السياسية وضمان انتخابات حرة ونزيهة»، متعهدة بتكرار المظاهرة يومياً ولمدة أسبوع. وقال بيتر كالاهان مسؤول العلاقات العامة بالمنظمة: «نعتقد أن هذا هو بيت الشعب وأنه يجب على الكونغرس أن يستجيب له، ويحمي حقوق التصويت»، مؤكداً أن الأميركيين سئموا من شراء ساستهم ودفع الأموال لهم».
أما من حيث المضمون الديمقراطي ذاته فهو محل انتقادات كثيرة من جانب عديد من المفكرين الأميركيين وكثير من السياسيين أيضاً، منهم على سبيل المثال «وليام بلوم» أحد أهم الكتاب الأميركيين الذين يتبنون خطاً مناهضاً لسياسات بلاده، ويعمل على كشف جرائم الإدارات الأميركية في العالم عبر التاريخ، وله في هذا كتاب شهير اسمه «قتل الأمل» سرد فيه قصة الانقلابات والمذابح التي دبرتها المخابرات المركزية الأميركية في بقاع مختلفة من العالم، لمجرد ضمان المصالح الأميركية فيها، وبقاء أنظمة حليفة هناك.
في كتابه الأخير«الديمقراطية أشد الصادرات الأميركية فتكاً»، يستمر بلوم في تعرية السياسة الأميركية، ويوضح كيف أنها تستغل شعارات - مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان - في تدمير المجتمعات الأخرى من الداخل للحيلولة دون ظهور منافسين لها في الهيمنة الدولية. ويقول إن أكثر ما يستهوي قادة الولايات المتحدة هو إعادة صنع العالم في صورة أميركا، بحيث تصبح عناصره الجوهرية هي المشاريع الحرة والفردانية، وما يطلقون عليه مصطلح القيم اليهودية المسيحية، وشيء آخر يطلقون عليه اسم «الديمقراطية».
ولعل ذلك ما يدعو إلى توقع ربيع ساخن في واشنطن، بالتأكيد ليس على غرار «الربيع العربي» لاستمرار الهيمنة القوية لمجموعات المصالح الرأسمالية وغيرها على العملية السياسية والآليات الانتخابية في واشنطن، ولكن لا يمكن استبعاد تفجر موجة إصلاحية جديدة على غرار حملة الحقوق المدنية التي اجتاحت الولايات الأميركية في الخمسينيات والستينيات للمطالبة بحقوق الأقليات وإنهاء سياسات ومظاهر التمييز العنصري خاصة ضد المواطنين السود، وهي الحملة التي كلفتهم الكثير ولكنها انتهت بحصولهم على بعض حقوقهم المشروعة، فهل يعيد التاريخ نفسه وتظفر الغالبية العظمى من الأميركيين بعدالة التصويت وديمقراطية حقيقية.. وبتعبير آخر؛ هل اقترب لواشنطن ربيعها؟