هل يمكن للمرء أن يكون منحازاً وموضوعياً في الوقت نفسه؟ سؤال غالباً ما يتكرر على لسان الناس ويخفي وراءه نقداً للانحياز بوصفه مُفسداً للموضوعية.
الانحياز بالتعريف موقف يكون فيه الفرد طرفاً في اختلاف وتناقض وصراع بين طرفين أو أكثر. الانحياز بهذا المعنى يعبر عن نفسه وعياً ومعرفة وسلوكاً عملياً.
أما الموضوعية فهي المعرفة وصفاً وتحليلاً وفهماً حين تكون متطابقة مع الموضوع القابل للمعرفة. وعندما نتحدث عن الانحياز والموضوعية فإنما نجيب عن سؤال مضمر هو: هل يمكن للفرد أن يكون منحازاً وقادراً على أن ينجب معرفة موضوعية وبخاصة في الموضوعات والمشكلات والاختلافات السياسية على وجه الخصوص؟
وعندي، إن الانحياز والسلوك المرتبط به يفترض الموضوعية بالضرورة إذا ما أريد للفاعلية أن تكون ناجعة وناجحةً. فالانحياز إلى القضية الوطنية المرتبطة بالأمن والتنمية والتقدم تفرض معرفة الشروط الموضوعية الإيجابية والسلبية، معرفة العائق الواقعي والدافع الواقعي. دون ذلك، دون المعرفة الموضوعية لا نجاح لأي تجربة تنموية، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو تربوية.
وتزداد أهمية المعرفة الموضوعية حين يتطلب الانحياز إلى منعة الوطن في مواجهة عدو يتربص به حداً ضرورياً من المعرفة الموضوعية بالعدو. ذلك أن العدو يمتلك من نقاط القوة ومن نقاط الضعف الواقعية ما يجب أن تكون في ساحة الوعي، إذ كيف يمكن مواجهة عدو لا تعرف حدود قوته ومصادرها وجوانب ضعفه وأسبابها؟ وليس هذا فحسب، وإنما يتطلب الأمر وعياً موضوعياً بالذات.
ومن أسطع الأمثلة على خطورة الجهل بالعدو والكارثة المتولدة عن الجهل به حرب يونيو حزيران 1967 التي مازلنا نعاني من نتائجها حتى الآن.
فلقد دخلت ثلاث دول في حرب مع العدو دون معرفة موضوعية بعناصر قوته العسكرية والتقنية بل والاقتصادية، واعتقدت بأنها قادرة على هزيمته بسهولة، غير أن ستة أيام كانت كافية لإدراك الجهل الذي كنّا عليه بعدونا، من جهة وبقدراتنا من جهة ثانية، وكانت الهزيمة النكراء. بل إن الوعي الخاطئ بالذات، والوهم بالذات الذي كانت عليه كل مصر وسوريا والأردن هو أحد أهم أسباب هزيمة يونيو حزيران.
والمعرفة الموضوعية هنا ليست مطلوبة لذاتها فقط، وإنما مطلوبة ليصدر عنها سلوك سياسي مطابق أو تنموي مطابق.
والانحياز ليس خطراً، وإنما يصير مصدر خطر إذا ما وضع على عيوننا غشاوة تحول دون رؤية الأمور على حقيقتها. وصار منبع أحكام رغبوية ليس لها أي نتائج عملية من جهة، وقد تقود إلى نتائج كارثية من جهة ثانية.
من هنا تبرز حاجة الدول إلى نخبة عارفة ومتعلمة وخبيرة في كل مجالات الحياة تكون جزءاً لا يتجزأ من عقل الدولة المؤسساتية، تسهم عبر موضوعية أحكامها في صناعة القرارات مهما كانت صغيرة، للحيلولة دون ارتكاب الأخطاء مهما كانت صغيرة أيضاً، بل إن خطأً صغيراً لا يكترث به قد يولد كوارث كثيرة ومدمرة.
فالسياسة داخلية كانت أم خارجية لا تقوم على الظن والرغبة، بل على كشف جوانب القوة والضعف والممكن، وحساب النتائج ونتائج النتائج وهكذا. والمعرفة الموضوعية أصبحت بعد تقدم مناهج المعرفة وتقدم وسائلها بمتناول الشعوب والأمم.